دورات تطوير الذَّات .. حقيقةٌ أم وَهْمٌ ؟

الرئيسية » بصائر من واقعنا » دورات تطوير الذَّات .. حقيقةٌ أم وَهْمٌ ؟
alt

انتشار دورات تطوير الذَّات والتدريب في المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة تحت عناوين ضخمة ومغرية دفع بها لتكون محط اهتمام النَّاس والمجتمع، في ظل تساؤل لا يزال يُشغل الأوساط المستهدفة، هل هذه الدّورات تُكسب الملتحقين بها التغيير المطلوب وتحقيق الأهداف؛ أم أنّها مجرّد محاولة اصطياد الناس مادياً تحت عباءة تطوير الذات الموهومة؟

تختلف دوافع الالتحاق بدورات التطوير والتنمية، فالبعض التحق بها لحلِّ مشكلة ما يعاني منها، وآخر سجل انضمامه بدافع الفضول وحب الإلمام والاستطلاع.. لكن السؤال هل حقّق كلاهما هدفه؟

لن تبذل جُهداً كبيراً في رحلة البحث عن الدَّورة التي توّد الالتحاق بها، لكن ما الذي يضمن لك أن لا تقع فريسة مُدرب استغلالي جُلَّ همِّه جمع الأموال وفقط؟ وهل كلّ من ألّف كتاباً في المجال، وهل كلّ "مُدرب" هو فعلاً كذلك؟

انتهازيون  ..
يقول "أشرف موسى": كانت له تجربة من خلال اشتراكه في إحدى دورات التنمية والتطوير، يرى أنَّ هذه الدورات هي مجرَّد مصائد لأفراد المجتمع، لا يذكر منها سوى أنّها حوت على بوفيه مفتوح، كانت هناك مشكلة في التنظيم، وإضاعة الوقت، ويختم بالقول: المسؤولون عن العمل أو مرؤوسونا يقدّمون مصالحهم على مهمَّة تطويرنا.

إلاَّ أنَّ "جمال صبصبي" يعارض موسى الرَّأي بقوله: لا أوافق على أنَّ دورات تطوير الذات غير مفيدة، وأنَّها مضيعة للوقت، فأكثرنا يحاول الإفلات من التغييرات التي تقتضيها المعلومات الجديدة ونحاول التشكيك فيها، بات أفراد المجتمع يحتاجون في ظل التحديات المتصاعدة لما يعينهم على فهم ذواتهم ويخرجهم من الملل الرتابة إلى آفاق الابتكار.


الممارسة والمُتابعة:

تُحدثنا "رولا مناع" عن تجربتها الشّخصية مع دورات تطوير الذات، حيث التحقت بعدد منها في بدايات ظهورها، بعد أن قرأت عنها في مواقع الإنترنت؛ لم تشعر أنّها أضافت لها ملفاً جديداً في حياتها، لكنَّها تمكنت من ترتيب جميع ملفاتها واهدافها. وخلاصة ما وصلت  إليه هو أن تطوير الذات ليس مجرد دورات، بل هو منهاج حياة، وسلسلة مهارات يحتاجها كلّ شخص مهما كانت مهنته وأيّا كان عمره، كما أنَّ تطوير الذات معتمد على الممارسة والمتابعة.

وتضيف: لا أعرف على ما الذي يؤهل الأشخاص في هذا المجال ليكونوا مدربين أم لا، هل هي الشهادات ، أم عدد الدورات التي حضروها، أم عدد المؤلفات والكتب، أم امتلاكهم لمراكز تدريب، لكنّي أعتقد أنَّ الموهبة والملكة هي أس التدريب في هذا المجال، فسيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يدرس شيئاً في التطوير لكنَّه طوَّر دولة، وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يلتقِ أيّاً من عمالقة التدريب في زماننا، لكنَّه نظَم حِكماً تُحيل المرء من حال إلى حال. فالتطوير هو ملكة برأيي، ولا يقاس بما يمتلكه المرء من شهادات وكتب.

"لمى محمد" تعمل مديرة تنفيذية في إحدى مراكز التدريب وتطوير الذَّات، قالت لـ"بصائر" : إنَّ الفائدة من هذه الدورات موجودة بالفعل، لكنَّها لا تتحقق عند كلِّ الحاضرين، فهناك أشخاص يحضرون هذه الدَّورات فقط من أجل الحصول على الشهادة وإضافتها للسيرة الذاتية الخاصة بهم، وهناك آخرون يبحثون عن هذه الدَّورات ويحضرونها طلباً للتعلم والاستفادة الحقيقة منها، فتجدهم يسألون ويبحثون ويستفسرون ويطبقون، وهذا لا شك يفتح مداركهم ويكسبهم نفعاً وفائدة.

وتضيف: قبل التسجيل في هذه الدورات يجب على الملتحق بها معرفة ميوله، وما يتناسب وشخصيته منها، فمن الخطأ الفادح أن تسجل في دورات تطوير وتنمية الذات بصورة عشوائية ودون تخطيط، أو معرفة ما يفيدك منها وما سينفعك، كأن يدخل أحدهم دورة في تطوير المهارات الإدارية، وهي ليست متعلقة بمجال عمله وحياته أصلاً.. أمثال هؤلاء سيخسرون أموالهم و يهدرون أوقاتهم دون نفع أو جدوى، بسبب قلة التخطيط وعشوائية الالتحاق.

أمَّا حمزة كمال، مدرّب في مجال التنمية وتطوير الذَّات، يعمل في مركز الأميرة بسمة للشباب في الأردن إلى جانب ما يقدّمه من استشارات في العلاقات الإنسانية، يقول: إنَّ المُجتمعات العربية لم يكن لديها إلمام ووعي بهذه الدَّورات والمهارات حتى عهد قريب، موضحاً بأنَّ دورات تطوير الذات ليست على منحى واحد، فبعضها يتعلق بالتطوير الشخصي، وبعضها مرتبط بالتطوير الوظيفي وأُخرى مهتمة بالتطوير المالي، فهي على أكثر من صعيد، أمَّا بالنسبة لفائدتها؛ فعادة هذه الدَّورات تمنحنا خطوات معينة ومبادئ أساسية ستوصلك لمطلبك من النجاح في المجال الذي ترغب به في حال الاستمرار عليها، يتخللها مجموعة من التدريبات التي تصقل خبرات المتدربين بشكل جديد، وتمنحهم المهارة، عن كيفية التعامل مع الأمور الجديدة التي تعترضنا، فعلى سبيل المثال هناك تدريب باسم المهارات الحياة الأساسية، يُمكّن المتدرب من تعلم مهارات التواصل مع الناس وصقل نمطه الحياتي بشكل أفضل وكيفية العمل ضمن فريق جماعي من خلال ما يقوم المتدربين بإجراء مهام وتمارين تحت إشراف مدرب خاص بالمساق. هذه التمارين لا شك أنَّها تترك أثراً في المتدرب كونها تعطي المهارات بشكل فعلي وليس مجرّد قواعد ونظريات من خلال تطبيق التمارين والتدريبات العملية.

ولا يُنكر كمال وجود بعض المُدربين الذين يستغلون المُشاركين ويكون همهم وشاغلهم كيفية الحصول على المال من جيوب هؤلاء المسجلين، لا شك أنَّ من حق المُدرب تَقاضي المال حيال ما يقدّمه من جهد، لكن لا يجب أن يكون قصده التحصيل الفاحش للمال. وهذا يحصل أحياناً.

وعن من يحدّد أسعار الدورات؟ أجاب كمال: يتعلّق تحديد أسعار الدَّورات على الجهة المنظمة لها، فأحياناً يكون الأمر بيد المؤسسات الرَّاعية لها، وأحيانا يكون الشأن خاص بالمُدرب، وهناك شركات تدريب تتفرد بأسعارها الخاصة، فالأمر يختلف حسب اختلاف الجهات القائمة على هذه الدورات.

وبالنسبة للكتب والمؤلفات التي تنتشر في الأسواق وتهتم بالمواضيع التنموية والتطويرية، يشير الأستاذ حمزة إلى أنَّ التأليف في التدريب أصعب من التدريب وممارسته، ويرى أنَّ الفائدة من كتب التطوير ورغم تأييده لقراءتها إلاَّ أنَّ أحياناً في هذه المواضيع تكون فائدة قراءة الكتاب أقل من الفائدة التي يحصلها الفرد من خلال الدورات، والسبب أنَّ الكتاب يعطيك المعلومات، لكن لا يتيح لي الفرصة لتطبيقها، كما يحصل من خلال الدَّورات، والمعلومة النظرية لا تعود بالفائدة المرجوة.

ويرى كمال أنَّه من النادر اكتساب المرء مهارة باحتراف خلال مدَّة قصيرة، لأنَّ اكتساب المهارات يحتاج الكثير من التكرار والتدريب، في العادة المهارات التي تنادي فيها مثل هذه العناوين، وكما يقال: "ستصبح مليونيراً في ثلاثة أيام، يُقصد منها أنَّك ستكتسب معلومات ومهارات (خلال ثلاثة أيام) تمكنك أن تسير على خُطى لتصبح مليونيراً، والهدف من ذلك تبسيط الفكرة للفئة المستهدفة.

ويؤكّد كمال أنَّ على مَن يرغب بالالتحاق بهذه الدورات أن يكون بحاجة فعلاً لتطوير ذاته في جزئية معينة، ويتأكّد من أنَّ التدريب الذي اختاره سيملأ الفراغ الذي يحتاج إليه، بعد ذلك عليه أن يبحث عن المُدرب المناسب، وهذا لا يكون بالبحث عن صاحب أطول سيرة ذاتية مثلاً، أو أن يكون قد حصل على شهادات من دول غربية، إنَّ المُدرب المؤهل هو من يطبق أقواله في حياته وتعامله ويستحق بهذا إعطاؤه الثقة، هناك الكثير من المدربين يمتلكون شهادات دولية وعالمية إلاَّ أنَّهم لا يطبقون ما يقولون في واقع حياتهم العملية، وبالمقابل بعض المدربين شهاداتهم قليلة في المجال إلاَّ أنَّه صاحب ملكة في التدريب ويستطيع إعطاء الفائدة بصورة أكبر من أصحاب الشهادات الدولية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

200 ألف رافض لتطبيع الإمارات والبحرين يوقعون “ميثاق فلسطين”

أعلنت رابطة إماراتية، اليوم الثلاثاء، أن عدد الموقعين على وثيقة بعنوان "ميثاق فلسطين" تجاوز 200 …