” النهضة التونسية ” .. فوزٌ كبير ينتظر التحدّيات

الرئيسية » بصائر الفكر » ” النهضة التونسية ” .. فوزٌ كبير ينتظر التحدّيات
alt

نجاح كبيرٌ ذلك الذي حققته الحركة الإسلامية في عالمنا العربي في أوَّل اختبار انتخابي لها بعد ربيع الثورات العربية؛ حيث استطاعت حركة النهضة التونسية أن تحقّق فوزًا كبيرًا في الانتخابات التي جرت في تونس الأحد 23 أكتوبر الجاري، حيث حصدت ما يقارب 40% من المقاعد.

ولئن كان هناك دلالات لهذا التقدّم، فإنَّ الأهم من بين هذه الدلالات، هو أنَّ عقودًا طويلةً من الاستعمار، تلتها عقود أخرى من العلمانية والاستبداد ومحو الهوية والنَّفي، لم تستطع تذويب الانتماءات الحقيقية للشعب التونسي.

من هي حركة النهضة ؟

حركة النهضة، أو حركة الاتجاه الإسلامي كما كانت تسمَّى في السَّابق، هي الحركة التاريخية التي تمثل التيار الإسلامي فى تونس، وتأسست الحركة عام 1972م، ولكنَّها لأسباب تتعلق بطبيعة المشهد السياسي في حقبة حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، لم تعلن عن نفسها رسميًّا إلا في السادس من يونيو من العام 1981م.

نتيجة للظروف السياسية نفسها، التي كانت سائدة في عهد بورقيبة، واستمرت في عهد خلفه المخلوع بن علي، ظلت الحركة غير معترف بها، وتعرضت لأشكال عدة من التنكيل ما بين الإغلاق والحظر والاعتقال والنفي المتكرر لقياداتها طيلة العقود الثلاثة الماضية، منذ الثمانينيات، ووصل الأمر إلى درجة الحكم بالسجن مدى الحياة على أمينها العام السابق الصادق شورو ونفي الأمين العام الحالي لها، وهو الكاتب والمفكر الإسلامي الأشهر راشد الغنوشي، بعد مؤامرة مزعومة عن قلب نظام الحكم في أغسطس 1992م.

اعتُرِفَ بالحركة كحزب سياسي في تونس في الأول من مارس 2011 من جانب حكومة رئيس الوزراء محمد الغنوشي المؤقتة التي تولت الحكم في البلاد بعد فرار زين العابدين بن على إثر إندلاع ثورة الياسمين في السابع عشر من ديسمبر 2010م، بعد واقعة حراق الشاب التونسي محمد البوعزيزي لنفسه في سيدي بوزيد احتجاجًا على قمع الشرطة له.

وعلى الرغم من أنَّ الحركة لا تعلن نفسها كامتداد رسمي لجماعة الإخوان المسلمين؛ إلاَّ أنَّها قامت على منهج وفكر الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر على يد الإمام الشهيد حسن البنا في العام 1928م.

أسباب الفوز ودلالاته:
لم يكن مفاجئًا الفوز الذي حقَّقه حزب النهضة، على الرغم من عقود الاضطهاد والنفي الطويلة التي مرَّت بها الحركة، إلاَّ نتاجًا لجهد كبير وتضحيات كبيرة قدَّمتها قيادات ورموز الحركة
لم يكن مفاجئًا الفوز الذي حقَّقه حزب النهضة، على الرغم من عقود الاضطهاد والنفي الطويلة التي مرَّت بها الحركة، إلاَّ نتاجًا لجهد كبير وتضحيات كبيرة قدَّمتها قيادات ورموز الحركة وأعضاؤها، الذين تحملوا طيلة العقود الماضية مختلف صنوف الاضطهاد والنفي.

ومن بين أبرز العوامل التي دعمت مكانة الحركة في الشارع التونسي بعد الثورة، المعاناة الشديدة التي مرَّت بها الحركة طيلة عقود حكم بن علي، ومن قبله بورقيبة، ومع أجواء الثورة في تونس، كانت الحركة على رأس قائمة القوى المرحَّب بها باعتبار أنَّها نالت ختم الإجازة باضطهاد النظام المخلوع لها.

يأتي بعد ذلك عرض الحركة لبرنامج وطني شامل وتصالحي، لا يقصي أحدًا، ويسعى إلى التعاون مع الجميع، وينطلق من منطلقات وطنية، فمؤسس الحركة ورئيسها الحالي راشد الغنوشي، أعلن في غير موضع التزامه بالتعدديَّة وحقوق الإنسان، واعتبر أنَّ هذا هو أساس برنامج الحزب الذي أسسته الحركة بعد رحيل بن علي، وأنَّ هذه الرؤية من شأنها صياغة ديمقراطية إسلامية معاصرة تضمن الحريات المدنيَّة والمساواة، كما أنَّها فكرة جاذبة لكثير من الناخبين الذين عانوا طويلاً من ويلات حكم دكتاتوري علماني استمر لعقود طويلة.

وتأكيدًا لهذا الجانب من برنامج الحركة، فبعد بدء ظهور معالم النتائج الأولية للانتخابات أعلن بعض قيادات الحركة، ومن بينهم عبد الحميد الجلاصي، ونور الدين البحيري، عضو المكتب التنفيذي للحركة، إمكانية تحالف الحركة مع حزبَيْن علمانيَيْن، وهما حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه منصف المرزوقي، والذي حلَّ ثانيًا حسب النتائج الأولية غير الرَّسمية، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات بزعامة مصطفى بن جعفر، والذي حلّ ثالثًا.

ولكن الحركة لم تنفِ في برنامجها أيضًا العمق العربي والإسلامي لتونس، ففي حديث للغنوشي لصحيفة "الشروق" الجزائريَّة، في الحادي عشر من أغسطس الماضي، قال الغنوشي: إن النهضة "حركة وطنيَّة تونسيَّة مستقلَّة في قرارها"،  ولكن قال: إن الحركة تربطها علاقات أخويَّة مع طيف واسع من الحركات الإسلاميَّة المعتدلة في العالم العربي والإسلامي، يجمعها جميعًا الخط الإسلامي الوسطي والمعتدل، وقال: "نحن عضو مؤثر فيه نفيد ونستفيد منه، ولكن يبقى كل واحد بخصوصياته المحليَّة والقُطْريَّة".

وأضاف في الحوار ما يفيد أنَّ الحركة منطلقاتها وطنية، ومستهدفاتها وغاياتها أمميَّة؛ حيث أشار إلى أنه "نحن لسنا في نظام الخلافة، ونحن نحترم هذا الإطار الوطني الذي نعمل فيه إلى أن يقع تجاوزه إلى دولة مغاربيَّة أو اتحاد عربي، ولم لا اتحاد إسلامي".

وقال أيضًا في هذه الجزئيَّة: "كل المسلمين يؤمنون بأنَّهم أمة واحدة، ولكنَّهم لا يعملون في إطار دولة خلافة أو ما شابهها؛ بل هم يتوقون ويتطلعون إلى توسيع ذلك الإطار من الوحدة إلى إطار أوسع، وهناك اليوم هياكل موجودة، اتحاد دول المغرب العربي، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكنها هياكل تحتاج إلى تأهيل وتفعيل وعملية ارتقاء بها لخدمة الشعوب المغاربيَّة والعربيَّة والإسلاميَّة".
الجانب الثاني من برنامج الحركة هو تحديث تونس؛ حيث إنَّ الحركة أعلنت في أكثر من وثيقة لها، وفي تصريحات قادتها، أنَّها "مصمِّمة على محو الصبغة الدّينية للدولة
الجانب الثاني من برنامج الحركة هو تحديث تونس؛ حيث إنَّ الحركة أعلنت في أكثر من وثيقة لها، وفي تصريحات قادتها، أنَّها "مصمِّمة على محو الصبغة الدّينية للدولة، لتحول تونس إلى فرنسا شمال أفريقيا"، وهي دعوة مهمة لطمأنة الخارج قبل الداخل، ودفعت بشعبية الحركة إلى آفاق واسعة، مع كون المطالب الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، والتنمويَّة بشكل عام على رأس أولويات المواطن التونسي في مرحلة ما بعد الثورة.

ومن خلال ما سبق، ومن خلال مُجمل أدبيات الجماعة الانتخابيَّة وتصريحات قادتها قبل وبعد إجراء الانتخابات، فإنَّ البرنامج الذي قدَّمته الحركة، ونال قبول الناخب التونسي اعتمد على مجموعة من الأركان، على رأسها:

- عرض خطاب تصالحي مع جميع أركان الطيف السياسي والمجتمعي التونسي، والتأكيد على أن الوحدة الوطنيَّة هو شعار الحركة وهدفها الأول في هذه المرحلة.

- إعلان الحركة أنَّها لا تعتزم احتكار السلطة، وأنَّها سوف تقود حكومة ائتلافيَّة، ولن تنفرد بقيادة البلاد وحدها في هذه المرحلة.

- التأطير لقيام نموذج إسلامي ديمقراطي يرمي إلى إقامة مجتمع تعدّدي يشمل جميع أركان الطيف السياسي والمجتمعي، بما في ذلك العلمانيين.

- الالتزام باحترام حقوق الإنسان بما فيها المرأة.

- التعهد باحترام كافة تعهدات الدولة التونسية مع المجتمع الدولي.

- في الجانب الاقتصادي تعهّدت الحركة بالعمل على استعادة الاستقرار في البلاد بشكل سريع، من أجل طمأنة المستثمرين في الداخل والخارج، مع التعهد بالمضي قُدُمًا في عملية التنمية لضمان تحديث الدولة التونسيَّة على مختلف المستويات.

- إعادة هيكلة الإدارة المدنية للبلاد، والسعي إلى تحسين مستوى الإدارة العامة، مؤسسيًّا وتشريعيًّا، بما يصبّ في صالح مشروع تحديث تونس الذي أعلنت الحركة أنَّها تلتزم به، وتسعى إلى تنفيذه.

ولقد أثّر هذا الخطاب حتى على القوى العلمانية الموجودة في تونس، والتي تطرح بدورها برنامجًا وطنيًّا لا يقصي أحدًا؛ حيث أكَّد المنصف المرزوقي، أنَّه مستعد للتعاون مع النَّهضة والأحزاب الأخرى، باعتبار أنَّ الأولوية في الوقت الحالي لتشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة أكبر قدر ممكن من أطراف العمليَّة السياسية والاجتماعية في البلاد.

وفي الأخير؛ فإنَّه من بين الدلالات التي أظهرها هذا الفوز الباهر للحركة في الانتخابات الأولى في العالم العربي بعد ربيع ثوراته، قُدرة الحركة الإسلاميَّة على العمل مهما كانت الضغوط والمشكلات الموجودة، مع كونها تنطلق من دعوة نابعة من هويَّة المجتمعات التي تنطلق منها وتتحرك فيها، وهو، مع الإصرار على الهدف الذي أظهرته الحركة الإسلاميَّة بشكل عام في عقود ما بعد الصحوة، ما ساعد على تجذرها رغم عقود القهر الطويلة التي تلت الاستقلال عن الاستعمار الغربي المباشر.

إنَّ هناك العديد من الدروس المستفادة التي يمكن الخلوص منها من تجربة فوز حركة النهضة بالانتخابات التونسيَّة، يجب على الحركة الإسلاميَّة في العالم العربي والإسلامي قراءتها واستيعابها من أجل تحسين مستوى العمل في المرحلة القادمة، الحاسمة في تاريخ الأوطان والأمة.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • تونس
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

    تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ …