لم أقل يوماً”فشلت”-بقلم: د.عبد الرحمن العشماوي

الرئيسية » حصاد الفكر » لم أقل يوماً”فشلت”-بقلم: د.عبد الرحمن العشماوي
alt

• لم أذكر أنني قلت: فشلت، بل قلت: لم أتمكن من الفوز.

لقد غرس فينا أهلنا الإحساس بإمكانية النجاح مرة بعد أخرى، وعلمونا- جزاهم الله عنا خيرًا- أن الحياة مجموعة من التجارب المتراكمة، التي يمر بها الإنسان، وأن الإنسان المؤمن بالله لا يقول حينما لا يتمكن من تحقيق ما يريد في جولة (لو أنني فعلت كذا لكان كذا) بل يقول: (قدر الله وما شاء فعل) وهذا هو الدرس النبوي الذي تلقته الأمة الإسلامية من رسولها صلى الله عليه وسلم.

أتدرون من علمني هذا الدرس؟ إنه (جدي محمد علي سحاب الغامدي) وهو رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه كان مثقفًا من الطراز الممتاز.

ذهبت معه ذات يوم إلى (الشعب) مزرعته الصغيرة، وحرث مساحة صغيرة بالمسحاة وأنا وأخي طاهر نساعده، ثم بذر فيها بعض البذور وبذرنا نحن معه، ثم غمرناها بالماء، وكنا نسعد بهذه العملية كثيرًا خاصة حينما نرى تلك البذور خلال أيام قلائل تطل برؤوسها الخضر بعد أن تشق الأرض في لوحة تسر الناظرين، ولكن تلك المساحة المزروعة لم تستجب لنا هذه المرة، فلم تستطع تلك البذور أن تزحزح برؤوسها التراب، وصف ذلك كما أخبرنا جدي وهو يبتسم أننا سنعيد حرث الأرض من جديد قائلًا: لم يكتب الله لنا أن نأكل من هذه الجولة، ولعله يكتب لنا الأكل من الجولة الثانية، ثم أمسك بالمسحاة، وأمسكنا بمثلها وحرثنا المساحة مرة أخرى، وكانت النتيجة- بعد أيام- مذهلة، لأن كثافة الخضرة كانت لافتة للنظر.

لم أزل أذكر قول والدتي- رحمها الله- لي وأنا في آخر المرحلة الابتدائية، حينما جئت إليها باكيًا لأنني لم أتمكن من الفوز بالمركز الأول في سباق العدو الذي أجرته المدرسة، وإنما فزت بالمركز الثالث مع أنني كنت مرشحًا من الجميع بالفوز بالمركز الأول؛ قالت لي وقد ضمتني إلى صدرها الحنون: أنت عندي قد فزت بالمركز الأول، لأني أعرف خفتك في العدو، ثم إنك ستفوز بهذا المركز بجدارة في أي مسابقة قادمة من هذا النوع، ثم أخذتني إلى المجلس حيث كان يجلس جدي وجدتي وبعض الأقارب، وقالت: أبشركم أن عبدالرحمن قد فاز بمركز متقدم في سباق العدو اليوم، وناولتني أمامهم (ريالًا ورقيًا) مازلت أستشعر جماله وفرحي به إلى الآن.

• أول كلمة ألقيتها في مسجد القرية بعد صلاة الجمعة وأنا في السادسة الابتدائية، بكى كثير من المصلين من تأثرهم بها، ومن تذكرهم لوالدي- رحمه الله- الذي اعتادوا منه إذا جاء إلى القرية صيفًا أن يلقي عليهم دروسًا ومواعظ- بعد صلاة الجمعة- ولكنني خرجت من المسجد حزينًا جدًا لأنني أخطأت في تلاوة آيةٍ، وفتح علي فيها الإمام، وذهبت إلى المنزل وعلى وجهي علامات الحزن، واستقبلتني أمي- رحمها الله- تسألني عن الكلمة- ولم تكن مكبرات الصوت قد استخدمت في المساجد آنذاك- فأخبرتها بحزني على الخطأ، ولم أخبرها بتأثر الناس، فقبلت جبيني قائلة: ألم تسمع الإمام يخطئ في القراءة ذات يوم ويفتح عليه الناس؟ قلت: بلى، قالت: فكيف تحزن لأمر يحدث للناس جميعًا، أنا متأكدة، أنك قد أبدعت وأجدت.

• كتبت أبياتًا، وأما في المرحلة المتوسطة- وتجربة الشعر عندي بدأت مبكرة- وأتيت بها إلى أستاذ الأدب آنذاك، ولم أسمع منه كلمة تشجيع واحدة ولم تنطق ملامح وجهه بما يدل على التشجيع أبدًا، وإنما أمسك بالورقة وأخذ يجري فيها مشرطه (قلمه) حتى أخفى ما كتبت ثم دفع إلى بالورقة ولسان حاله يقول: لا تعد إلى هذا مرة أخرى، وشعرت في حينها بقوة روحية عجيبة، دفعتني إلى إعادة كتابة الأبيات في ورقة أخرى، وتقديمها إلى أستاذ النحو وكان شاعرًا مربيًا، فلما أطلعته عليها مد يده إلي مصافحًا، وقال: جهز نفسك لإلقائها في إذاعة المعهد بعد الحصة الثالثة، وقدمني في الإذاعة بنفسه، وهو لا يعلم بما صنع أستاذ الأدب لأنني لم أخبره، وأشاد بموهبتي حتى بكيت من الفرح، وألقيت الأبيات بصورة ممتازة فلقيت من الإشادة من المدير والأساتذة ما لم أكن أتوقع، وبعد الانتهاء عرضت على الأستاذ ما صنعه أستاذ الأدب بالورقة الأولى، فقال لي- بعد أن تأملها- ملحوظات الأستاذ يا عبدالرحمن صحيحة، وقد رأيتها كما رآها، ولكنها بداية من مثلك رائعة، ولابد أن تعلم أن الإنسان يحتاج دائمًا إلى النقد والتوجيه والتقويم حتى يصلب عوده، وشكرني على عدم انهزامي أمام ملحوظات أستاذ الأدب الذي لم تسعفه الحكمة.

• حينما جئت الرياض أخذت أفكر أين يمكن أن أحصل على المال لحاجة أسرتي إليه في الباحة، واقترح علي بعض الإخوة أن أشتري سيارة أجرة لأعمل عليها آخر النهار، وفعلت مستدينًا جزءًا من قيمتها، فأصاب السيارة خلل كلفني مبلغًا من المال شعرت معه بعدم جدوى هذا العمل، فبعت السيارة وطويت صفحًا عن قصتها وكأنها لم تكن، وقد يسر الله لي أعمالًا أخرى لها علاقة بالكتابة أفادتني ماديًا، بما يتناسب مع حاجتي.

• أصبحت جاهزًا- تمامًا- للسفر مع وفد أدبي سعودي للمشاركة في مهرجان أدبي شعري للشباب العربي في دمشق، وذلك في أواخر المرحلة الجامعية فقد أذنت لي والدتي- رحمها الله- وأكملت الإجراءات جميعها، وجهزت من القصائد ما كنت تواقًا إلى إلقائه هناك ممثلًا لبلدي، وأخذت جواز السفر إلى رجل أعرفه في الجوازات زيادة في حرصي على تجهيز الأمر، ولم أعطه للموظف المختص بهذا الشأن الذي سلمت إليه جوازات أعضاء الوفد، وكان بيني وبين السفر ثلاثة أيام، ومر يوم، ويوم ثان، وفي اليوم الثالث قال لي صاحبي متأسفًا: إن الجواز قد ضاع، وكان في غاية التأثر كما بدا لي من كلامه وملامح وجهه، فقلت له: لا تقلق فالخيرة فيما يختار الله، وذكرته بالتوجيه النبوي (قدر الله وما شاء فعل) وفي اليوم التالي رآني عميد الكلية فسألني عن السبب في عدم سفري، فأخبرته، فقال: لقد سرني ذلك، وطلب مني المشاركة في حفل كبير سيحضره بعض المشايخ والأدباء في قاعة كلية الشريعة بالرياض، ويالها من مناسبة رائعة ألقيت فيها القصيدة، وتعرفت في الحفل على عدد من المشايخ والأدباء بصورة مباشرة، ونشأت من تلك الليلة علاقتي المميزة بالشيخ الأديب عثمان الصالح، رحمه الله، الذي كان مديرًا لمعهد العاصمة النموذجي حيث دعاني إلى زيارة المعهد وجمعني بعدد من الأساتذة والطلاب المتميزين في أصبوحة شعرية لا تنسى.

هنا أقف لأقول لكم بحق: «لم أقل يومًا: فشلت».

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …