الجهاد وضرورات التَّذكير بالفريضة الغائبة ( 2-2 )

الرئيسية » بصائر الفكر » الجهاد وضرورات التَّذكير بالفريضة الغائبة ( 2-2 )

تحدثنا في الحلقة الما ضية عن كم هي الأدبيات الكثيرة التي تناولت قضية الجهاد  وكيف يستند المُسلمون وقُوى المقاومة الإسلاميَّة في إعلان راية الجهاد في مواجهة اليهود إلى مجموعةٍ مِن الأصول التي جاءت في الشَّريعة الإسلاميَّة، والتي تُحرِّم أي صُورةٍ من صُور التَّعامُل السِّلميِّ السِّياسيِّ أو غير السياسيِّ مع أعداء الإسلام ممَّن يحتلُّون أرض المسلمين أو يُظاهرون على إخراج المسلمين من ديارهم أو مُحاربتهم في دينهم.

كما أوضحنا معنى الجهاد في اللغة وما هي ألوان الجهاد ومتى يكون فرض عين ومتى يكون فرض كفاية , ونستعرض في هذه الحلقة الجهاد في القرآن والسنة ووجوه اشتراطاته .

الجهاد في القرآن والسُّنَّة

تُعدُّ السُّور المدنية مِن بين أهمِّ النُّصوص المرجعيَّة في الشَّريعة الإسلاميَّة حول أمر الجهاد في سبيل اللهِ تعالى، ما بين وجوبه باعتباره فريضةٌ، وقواعده، والضرورات التي تدفع إليه، والمطلوب مِن المسلمين الاستعداد به مِن أجل تحقيق سُنَنِ النصر على الأعداء.

ومِن بين ما ورد في سورة الأنفال حول هذه المسألة، قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(60)﴾، وقال الرَّسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" في هذا الإطار، وهو الذي لا ينطقُ عن الهوى: "ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي، ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي" [أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجه وأبو داود].

ومن بين الآيات القرآنيَّة الكريمة التي وَرَدَتْ في الترغيب في الجهاد والموت في سبيلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)﴾ [سورة آل عمران].

وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)﴾ [سُورة الصَّفُّ].

ومن بين ما جاء في صحيح الهدي النَّبويِّ في هذا الحديث الذي أخرجه الشَّيخان عن أبي هُريرة  "رَضِيَ اللهُ عنه"، أنَّه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم" أيُّ العمل أفضل؟. قال: إيمانٌ باللهِ ورسولهِ. قِيل: ثُمَّ ماذا؟. قال: الجهادُ في سبيلِ اللهِ. قيل: ثُمَّ ماذا؟ قال: حَجٌّ مبرورٌ".

وعن ابن مسعودٍ، قال: قُلتُ يا رسولَ اللهِ أيُّ العمل أحبُّ إلى اللهِ تعالى؟. قال: الصَّلاة على وقتها. قلت: ثُمَّ أيُّ؟. قال: بِرُّ الوالدين. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟. قال: الجهادُ في سبيل الله [مُتَّفَقٌ عليه]، وعن أبي ذرٍّ قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ أيُّ الأعمالِ أفضل؟. قال: الإيمانُ باللهِ والجهادُ في سبيله [مُتَّفَقٌ عليه].
 
وجوهٌ واشتراطاتٌ

ومن خلال مُجمَل ما عرضه العلماء الثِّقات والمرجعيَّات الرَّئيسيَّة في العالم الإسلاميِّ، فإنَّ هناك أربعةَ وجوهٍ يجب أنْ تتوافر لجواز حَمْلِ المسلم على الأعداء جهادًا في سبيل اللهِ؛ وهي:

- أنْ يمتلكَ المُسلمُ مِن القوَّة التي تُمكِّنه أنْ يفعل فعله في الأعداء.
- تكبيد العدو خسائرَ كبيرةٍ.
- تجرئة المسلمين عليهم.
- التَّأثير في الأعداء وإضعافهم نفسيَّتِهم.

وزاد عليها الشَّيخ العودة في فتواه في هذا الشَّأن، ثلاثة أوجهٍ أخرى، وهي:

- أنْ يكونَ الفعلُ الجهاديُّ ضد كُفَّارٍ أعلنوا الحرب على المسلمين؛ حيث إنَّ الكُفَّارَ أنواعٌ، منهم المُحاربون، ومنهم المسالمون، ومنهم المستأمَنون، ومنهم الذِّمِّيُّون، ومنهم المُعاهِدون.

- أنْ يكون أولي الأمر قد رأوا أنَّ العمل الجهاديَّ سوف يُوقع بالعدو خسائرَ كبيرةً، أو ما أطلق عليه حدَّ الإثخان.

- أنْ يحصل المسلم الخارج إلى الجهاد على إذن والدَيْه كما اشترط لذلك الرَّسولُ الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم"؛ حيث برُّ الوالدين أعظم درجةً عند اللهِ تعالى.

كما أنَّ للجهاد العديدَ مِن الاشتراطات مِن بينها الإسلام والعقل والبُلوغ والذُّكورة، وأيضًا العديد من صور الإعداد من بينها التَّدريب والتَّأهيل على تَحمُّل المشاق المختلفة، وكذلك الإعداد بالمال وتوفير السِّلاح، وغير ذلك من مُتطلَّبات النَّجاح.

إلاَّ أنَّ هذه الوجوه والاشتراطات ليست بمثابة مُسلَّمات؛ لأنَّ لها حالاتٍ بعينها تُطبَّق فيها، عندما يكون المسلمون منضوين أسفل لواء دولة واحدة، لها حاكم أو ولي أمر بالمعنى الشرعي، ولكن هذه الاشتراطات لا تنطبق بشكل كامل على الحالات التي يكون فيها المسلمون في كيانات سياسيَّة منتظَمة كدولة الخلافة، أو في حالة الشعوب الواقعة تحت الاحتلال؛ حيث إنَّ هناك بعض الاشتراطات التي تسقط بطبيعة الحالة.

ففي حالة المقاومة الشعبيَّة من جانب الشعوب المحتلة، كما في حالة الشعب الفلسطيني؛ فإنَّ الكثير من عمليات المقاومة ضد اليهود مثلاً، لا تكبد اليهود أيَّة خسائر أو تقتصر على خسائر طفيفة، ولكنَّها من أعظم درجات الجهاد سواء بالمال أو النفس، مع كونها تستهدف أشد الناس عداوة للذين آمنوا، ودفاعًا عن أقدس مقدسات الأمة، المسجد الأقصى والأرض المباركة.

وعند النظر إلى الاشتراطات التي وضعها الشيخ سلمان العودة؛ فإنَّه في الاشتراطات الخاصة بأن يكون أولي الأمر قد رأوا أنَّ العمل الجهاديَّ سوف يُوقع بالعدو خسائرَ كبيرةً، أو أن يحصل المسلم الخارج إلى الجهاد على إذن والدَيْه؛ فإنه هنا أيضًا يجب التمييز ما بين بين حالة الدولة المنظمة أو الخلافة الإسلامية، وبين حالة الاحتلال وعدم وجود ولي الأمر، كذلك فإن الكثير من الفقهاء أشاروا إلى أن إذن الوالدين يُشتَرَط في جهاد الطلب وليس في جهاد الدفع، وهو الذي ضد المحتل.

 

إضافة لذلك، فإن حد الإثخان ليس معتبراً لجواز القتال، وإنما لجواز اتخاذ الأسرى، لقوله تعالى ( ما كان لنبيِّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض).
---------------------
مصادر ومراجع:

- القرآن الكريم.

- كتاب "الجهاد والسِّيَر" في "الجامع المُسْنَد الصَّحيح المُختصر مِن أُمور رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وسُنَنِه وأيَّامه" المعروف باسم "صحيح البخاريُّ" للعلامة الإمام أبو عبد اللهِ مُحَمَّدٍ بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة بن بردزبة البخاريُّ، المُتوفَّى في العام 256هـ.

- كتاب الجهاد والسير في "صحيح مسلم"، للإمام أبو الحسين مُسلم بن الحجَّاج القشيريِّ النَّيسابوريِّ، المُتوفَّى سنة 261هـ، طبعة مكتبة الصفا بالقاهرة، 2001م.

- كتاب الجهاد في "رياض الصَّالحين من كلام سيِّد المرسلين"، للإمام المُحدِّث الفقيه أبو زكريا يحيى بن شرف النَّووي المُتوفى سنة 676هـ، طبعة مكتبة الصَّفا بالقاهرة، 2001م.

- ابن منظور الإفريقي، "لسان العرب".

- القرضاوي، يوسف: فقه الجهاد (القاهرة: مكتبة وهبة، الطَّبعة الأولى، 2009)

- أيوب، حسن: فقه الجهاد في الإسلام (القاهرة: دار السَّلام للنَّشر، الطَّبعة الثَّانية، 2005)

 

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الجهاد
  • فلسطين
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

    تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …