البرلمان .. وسيلة دعوية بروح عصرية ( 2-2 )

الرئيسية » بصائر الفكر » البرلمان .. وسيلة دعوية بروح عصرية ( 2-2 )
alt

تناولنا في المقال السابق حالة الحراك السياسي التي تولّدت عقب ثورات الرَّبيع العربي، وتصدَّر المشهد فيها بعض الحركات الإسلامية خاصة في  تونس ومصر؛  بقيادة حركتي : النهضة التونسية والإخوان المسلمين في مصر    , وكيف اعتمد أبناء التيار الإسلامي البرلمان وسيلة لتحقيق الغايات الدَّعوية المنشودة في إرباك الغرب الذي طالما ظل نظر إلى الإسلاميين بعين الريبة .
كما تحدثنا كيف بدأت النظرة الغربية تختلف في التعامل مع الإسلاميين  , حيث أبدت الإدارة الأمريكية مرونة عبر كثير من تصريحاتها أعربت فيها عن ترحيبها بوصول الإخوان المسلمين إلى الحكم إذا أتوا عبر الطريق الديمقراطي
, استعرضنا التجربتين التونسية والمصرية في هذا الشأن   , ونستعرض في هذه الحلقة رؤية الإخوان المسلمين للسياسة إضافة إلى استعراض التجربة الأردنية

الإخوان والسياسة :

منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين، وقد استقر الإمام الشهيد حسن البنا على جعل العمل السياسي ضمن بنية العمل الدعوي،  فأكَّد على أنَّ الإخوان ليسوا مجرَّد جماعة دعوية إسلامية، ولكنَّهم أيضاً هيئة سياسية نتيجة لفهمهم العام للإسلام، وأنَّ مشاركتهم السياسية تأتي من منطلق الإصلاح في الأمَّة وتطبيق لتعاليم الإسلام وأحكامه.

 وفي  فبراير عام 1942م، كانت أول مشاركة سياسية للإخوان في مصر؛ حيث ترشح الإمام البنا في دائرة الإسماعيلية لمجلس النواب المصري، إلاَّ أنَّ الاحتلال الإنجليزي ضغط  على حكومة مصطفى النحاس، الذي فاوض الإمام البنا حتى يتنازل عن ترشحه وإلاَّ حُلّت الجماعة، فوافق الإمام البنا علي الانسحاب بشروط قبلتها الحكومة  كان من بينها حياء الأعياد الإسلامية ولا سيّما مولد النبيّ محمَّد وجعله عيداً رسميا للدَّولة إلغاء البغاء وغلق بيوت الدعارة وجعلها عملاً مجرماً، وتحريم الخمر، وإصدار قانون بوجوب التعامل باللغة العربية في جميع المؤسسات والشركات ومراسلاتها ، فضلا عن إعطائه ضمانات بقيام جمعية الإخوان وفروعها وعدم الوقوف في سبيلها وعدم مراقبتها والتضييق على أعضائها للحدّ من نشاطهم، والسَّماح بوجود جريدة يومية لـ(الإخوان المسلمين).

وفي أواخر عام 1944، حاول  الإخوان الترشح مرَّة أخرى لمجلس النواب فترشح  البنا في دائرة الإسماعيلية وعدد آخر من قيادات الإخوان في دوائر أخرى، وفشلت ضغوط الإنجليز وحكومة أحمد ماهر السعدية لإجبار الجماعة على الانسحاب، فمارس الإنجليز كلَّ وسائل الضغط والتزوير وتدخل الجيش الإنجليزي ومنع الناخبين من التصويت لمرشحي الإخوان، فلم يفز الإخوان بأيّ مقعد .

وفي عام 1976 بعد خروج الإخوان من سجون الرَّئيس عبد الناصر والتي استمرت حتى عام 1974  دفع الإخوان بالشيخ صلاح أبو إسماعيل الذي فاز بمقعد البرلمان، وفي عام  1979  نجح اثنان من الإخوان؛ هما : الشيخ صلاح أبو إسماعيل، والحاج حسن الجمل؛ ولهما يُنسب أهم "إنجاز سياسي ودستوري للحركة الإسلامية في هذا العصر"، وهو جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرَّئيس للتشريع في مصر عام 1979م، إضافة إلى تشكيل لجان برئاسة الدكتور "صوفي أبو طالب" لتقنين ومراجعة القوانين على حسب مقتضيات الشريعة .

وفي عام 1984 فاز الإخوان المسلمون ب 6 مقاعد ضمن تحالف الوفد والإخوان إلى أن حكم بعدم دستورية قانون الانتخابات التي أُجريت به الانتخابات، وهو قانون القائمة المطلقة، وتمَّ حلّ المجلس بداية 1987.

وفي عام 1987 دخل الإخوان البرلمان ضمن التحالف الإسلامي (الإخوان، حزب العمل ، حزب الأحرار)  تحت شعار "الإسلام هو الحل"، وفاز الإخوان بـ 34 مقعداً، و في عام 1995 رشَّح الإخوان 150 مرشحاً إلاَّ أنَّ نظام مبارك أصرَّ على إقصائهم تماماً،  فلم ينجح إلاَّ نائب واحد؛ هو علي فتح الباب الذي فاز كمرشح لحزب العمل .

وفي عام 2000م  كانت أوَّل انتخابات يشرف عليها القضاء المصري جزئياً، فاز فيها الإخوان بـ 17 مقعداً بمجلس الشعب المصري، كان لها دورٌ فاعلٌ في إثراء الحياة النيابية، ومهَّدت الطريق لانتخابات 2005 التي شهدت تحوّلاً تاريخياً لتاريخ الجماعة في البرلمان؛ حيث رشحت الجماعة 161 مرشحاً فاز لها 88 نائباً، واعترف رئيس الوزراء حينها أحمد نظيف بأنَّ الحكومة تدخلت لمنع فوز 40 مرشحا آخرين للجماعة .

 وفي عام 2010 توعَّد الحزب الوطني لنواب الإخوان الذين أزعجوا النظام،  فأصرّ على  العودة إلى الأساليب القديمة لتزوير الانتخابات وزور الانتخابات بشكل فاضح، ورغم ذلك نجح نحو 20 من مرشحي الإخوان  في الوصول إلى جولة الإعادة إلاَّ أنَّ الجماعة قرَّرت مقاطعة جولة الإعادة، فما كان من النظام إلا وضغط على الإخوان ووعدهم في الوقت ذاته بفوزهم ببعض المقاعد حتى يتمكنوا من تجميل وجهم أمام العالم  الذي شهد على اكبر عملية تزوير وتزييف لإرادة الناخبين، وكان لهذه الانتخابات دور كبير في زيادة الاحتقان لاندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير.

والآن يتأهب الإخوان المسلمون عبر حزبها الذي أسّس عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير " الحرية والعدالة  " للاستعداد لخوض الانتخابات البرلمانية التي ستبدأ يوم الثامن والعشرين من الشهر الجاري للمنافسة على 50% من المقاعد.

إخوان الأردن  ..

وكان للحركة الإسلامية في الأردن تجربة ثريّة في المشاركة الانتخابية والسياسية؛ حيث شارك الإخوان في الانتخابات النيابية  في وقت مبكر عام 1956م؛ ونجح لهم أربعة مرشحين من ستة، وفي انتخابات عام 1963م  نجح لهم اثنان من المرشحين، وفي المدَّة من 1989م إلي 1998م  اتسعت مشاركة الجماعة في الحياة السياسية؛ إذ حصلت في المجلس النيابي الحادي عشر عام 1989م على ثلاثة وعشرين مقعداً؛ حيث مثلوا مع إسلاميين آخرين أكثر من ثلث مجلس النواب، وحصلوا على رئاسة المجلس لثلاث دورات متتالية، كما شاركت بخمسة وزراء في عام 1991م في حكومة مضر بدران، وفي عام 1993م حصلت على سبعة عشر مقعداً، ثمَّ تمَّ إنشاء حزب جبهة العمل الإسلامي الذّراع السياسي للإخوان في الأردن سنة 1992م، كما شاركت الجماعة في الانتخابات البلدية لعام 1995م، وفاز مؤيّدوها وأنصارها في عدد من البلديات، ومع رفض الإخوان الشديد لاتفاقية وادي عربة، ولتحسين شروط المشاركة السياسية قرَّرت الجماعة مقاطعة الانتخابات النيابية لعام 1997م ، وفي انتخابات 2003   حصلت الجماعة على  17 مقعداً في مجلس النواب، إلاَّ أن مقاعد  الجماعة تقلصت في انتخابات عام 2007م؛  حيث لم تحصل إلاَّ على 6 مقاعد فقط بسبب عمليات التزوير.

برأيي أنَّ تجربة الإسلاميين في بلدان مثل فلسطين ومصر وتونس والأردن تعكس مدى النمو التدريجي في البرلمان، والذي يعكس بطبيعة الحال نمو هذه الحركات وتجذرها في  المجتمع بما يؤهلها للوصول إلى الحكم في وقت ما، كما يؤكّد بما لا يدع مجالاً للشَّك صحَّة المنهج الذي اختاره الإمام الشهيد حسن البنا؛ ضمن فهم شمولي للإسلام الذي لم يفصل بين الدّين والسياسة، وعدَّ السياسة وسيلة دعوية أصيلة لتحقيق الغاية الكبرى؛ وهي بناء المجتمع المسلم ثمَّ الحكومة المسلمة، ثمَّ أستاذية العالم.

 

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …