عباس السيسي .. مدرسة في الدعوة و الذوق

الرئيسية » بصائر الفكر » عباس السيسي .. مدرسة في الدعوة و الذوق

يصل إلى قلوب النَّاس بحسن خلقه، وخفة ظله بسرعة فائقة، وعلى الفور يستثمر هذه الملكات في خدمه دعوته، فليس هو بالرَّجل  " المهرج  " فكثيراً ما كان يفتعل  مواقف مضحكة للتعرف على  من حوله، فيعرض عليه دعوته بعد أن يوثق به علاقته ، فيستطيع في وقت وجيز جداً أن يؤثرك بإخلاصه الذي تستشعره في كلماته البسيطة التي تصل مباشرة إلى قلبك،  ويستطيع أن يسيطر على من حولة بسهولة معتمدا على جمال أسلوبه الدعوي  وبإدخال السرور إلى قلوبهم،   وقد كان رحمه الله مشغولاً بمشاركة الناس، وفي القلب منهم إخوانه مشكلاتهم، يتلطف بالصَّغير، ويصبر على الجاهل،  فقد كان مُربياً حكيماً،  وصاحب رأي ثاقب .

تربي على يد الإمام الشهيد حسن البنا حتى أطلق عليه الدكتور محمَّد حبيب النائب الأوَّل السَّابق للمرشد العام للإخوان المسلمين لقب " حواري الإمام الشهيد حسن البنا "؛ إنّه الحاج عبَّاس السيسي أحد رجالات الرَّعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، الذي وافته المنية بعد صراع طويل مع المرض في مثل هذه الأيام في يوم " 22 – 10-2004 "

من هو السيسي ؟

ولد عبَّاس السيسي يوم  28/11/1918م  بمدينة رشيد بمحافظة البحيرة  " شمال القاهرة 200 كيلو متر " كان تعليمه بسيطاً ، فقد حصل على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية ، ثم تطوع بمدرسة الصناعات الحربية،  والتحق بورش سلاح الصيانة بعد التخرّج، تعرّف على دعوة الإخوان عام 1936م من خلال الأستاذ محمود عبد الحليم صاحب كتاب " أحداث صنعت التاريخ "، وتقابل مع الإمام الشهيد حسن البنا في العام نفسه، وفي عام 1940 شارك في معارك الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية .

وفي عام  1948م،  اعتقل لانتمائه لجماعة الإخوان لمدَّة ستة أشهر، ثمَّ اعتقل عام 1954  وحوكم عسكريًّا وصدر عليه حكمٌ بالإعدام خُفِّف فيما بعد إلى الأشغال الشاقة المؤبدة

وفي عام  1948م،  اعتقل لانتمائه لجماعة الإخوان لمدَّة ستة أشهر، ثمَّ اعتقل عام 1954  وحوكم عسكريًّا وصدر عليه حكمٌ بالإعدام خُفِّف فيما بعد إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.
ثمَّ فصل من الخدمة عام 1956م، واعتقل مجدّدًا عام 1965  في القضية التي عرفت بتنظيم 65، وظل في سجون الرحيل الراحل جمال عبد الناصر حتَّى عام 1974م.

خروجه من السجن  :

كنت مرحلة ما بعد  خروجه من السجن عام 1974 لها سمات دعوية خاصة، فكانت دعوة الإخوان المسلمين يكاد يكون قد قضي على الكثيرين من أتباعها  بسبب الزج بالآلاف منها في سجون الحقبة الناصرية، لنحو عقدين من الزَّمان،  فخرج السيسي وإخوانه متوقين وشغوفين للدَّعوة بعد حرمان  نحو عشر سنوات،  خاضت مصر خلالها حربين ضد العدو الصهيوني  " 1967  و 1973 " ، فلعب السيسي دوراً فاعلاً  في إحياء الدَّعوة من جديد ، فتولّى مسؤولية إعادة بناء تنظيم الإخوان في الإسكندرية، وتدرجت مهامه ومواقعه داخل التنظيم حتى صار عضواً في مكتب الإرشاد، وتولّى مسؤولية قسم الاتصال بالعالم الإسلامي،  واتسعت علاقاته ورحلاته لأركان العالم، فكان له إسهام كبير في نشر الدَّعوة داخل مصر وخارجها، وله محبّون وتلامذة في أكثر أنحاء العالم العربي، وفي الغرب، وقد ساعده على ذلك ثقافته وعلمه، وسعة صدره وحلمه  .

كان دؤوباً في تحركاته وجولاته الدَّعوية، صاحب همَّة عالية، فدائماً ما كان يضع نصب عينيه جملته الشهيرة " من يتصدَّى للدَّعوة يجب أن يكون مدفوعاً من الأعماق بأهمية وقيمة توالد أجيال الدَّعوة، حتى لا تتوقف مسيرة الدَّعوة فى الوجود لنصرة الإسلام "وكان يؤكّد دوماً أنَّ الدَّاعية لا ينجح في مهمته حتى يتعبّد بالإخلاص والتجرّد .

الدَّعوة لله بالفكاهة :

تميَّز الحاج عبَّاس السيسي بروح الدُعابة والفكاهة، واستخدم هذه الهبة التي منحها  الله تعالى له إيَّاه في الدعوة إلى الله، فذات مرَّة،  صلّى في أحد المساجد، فوجد بجواره في الصَّف بعد السَّلام شاب أاسمر اللون وأحبّ الحاج عبَّاس أن يجذب انتباهه إليه فسأله:الأخ منين من الشَّام ؟؟!! فضحك الشاب، وقال : هل صاحب لون البشرة هذه يمكن أن يكون شاميا؟! فبادله الحاج بابتسامه، أنا بتكلم عن لون القلب، فكان ذلك مدخلاً قويّاً للتعرّف إليه.

وذات مرَّة، كان يركب "الترام"  فداس على قدم رجل من الرُّكاب، فقال له الرّجل: أنت حمار؟ فكان جواب الحاج عبَّاس بمنتهى اللطف: لا أنا سيسي، فضحك الرّجل، وكانت أحاديث دعوية بينهما.
ويُجمع الذين زاملوه في السجن، أنه كان دائم الابتسام  حتّى مع السجَّانين الذين كانوا يعذبّونه، وكانوا يطلقون عليه: معلّم الحب والذَّوق، و كان يؤمن بأنَّ الجهاد بالحب في الله، هو الفرصة المتاحة، والسّياسة المباحة، التي لا تعوّقها حدود ولا يصادرها قانون، لأنَّها نبض وهواتف ومشاعر وأحاسيس .
كان يؤمن أيضاً بأنَّ هذا الدين لم يقم على استعمال العضلات،  أو خشونة الكلمات، ولكن بالكلمة الطيّبة، والنظرة الحانية،
كان يؤمن أيضاً بأنَّ هذا الدين لم يقم على استعمال العضلات،  أو خشونة الكلمات، ولكن بالكلمة الطيّبة، والنظرة الحانية، قال تعالى: {وقولوا للناس حسنا}. (البقرة:83).
ولا يملّ السيسي من إدخال السرور على إخوانه،  فقد فرضٌ على كل من يقابله الابتسامة، حتى ولو كان الشخص لا يعرفه، حتى على قائده الإمام الشهيد حسن البنا.. فيحكى في إحدى زياراته لرشيد، أنَّه كان هناك تعارف بين الجالسين من عائلات: سردينة وزيتون وسمك، فقال الإمام البنا : سفرة دائمة

السيسي والفن :

كان طبيعياً أن يكون صاحب حسٍّ مرهف مثل الحاج عباس السيسي أن يتذوّق الفن، الذي وظفه أيضاً في خدمة الدَّعوة،  ورغم كبر سنه كان من أوائل من انتبهوا مبكراً لأهمية الفن في الدَّعوة، وضرورة عمل مصالحة بين الرؤية الفقهية للحركة الإسلامية والفنون المختلفة .

اتخذ السيسي قراراً نهاية الثمانينيات  بتأسيس أوّل لجنة فنية بالجماعة ، وكان حينها عضواً بمكتب إرشاد الجماعة ، فقامت هذه اللجنة بتشكيل أول  فرقة للفن الإسلامي أطلق عليها: " فرقة الهدى للفن الإسلامي "،  وهي الخطوة التي قوبلت بتحفظ من قبل بعض القيادات بالحركة، وقد تطوَّر نشاط هذه الفرقة حتى اتجهت إلى الاحتراف، وكان لها تأثير بالغ الأهمية في تأسيس فرق مشابهة في بقية محافظات مصر، حتّى صارت ملمحاً أساسياً من ملامح الدَّعوة الإسلامية في مصر.

رحم الله عبَّاس السيسي الذي ساهمت مدرسته في علاج حالة العسكرية التي سيطرت على المشهد حقبتي السبعينيات والثمانينات، عقب خروج آلاف الشباب من السجون، حاملين في صدورهم كراهية وحقداً على سجَّانيهم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …