أبو حلبية: عبادة عشر ذي الحجة أفضل من الجهاد

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » أبو حلبية: عبادة عشر ذي الحجة أفضل من الجهاد
alt

تتكرَّر في حياة المسلم مواسم سنوية يجب أن يحرص على اغتنامها والاستزادة فيها من الخير، عن طريق أداء بعض العبادات المشروعة،  والمحافظة على الأعمال والأقوال الصَّالحة التي تُقرّبه من الله تعالى، وتُعينه على مواجهة ظروف الحياة بنفسٍ طيّبةٍ وعزيمةٍ صادقة.

وها هو القطار يمرّ سريعاً، فها هي الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة، والتي يجب على المسلم خلالها التقرّب إلى الله بكلِّ العبادات المشروعة نعيشها وأوشكت على الانتهاء.

فما هو فضل العشر الأوائل من ذي الحجة؟ وما هو خصائصها؟  وما هي العبادات المشروعة التي أشار إليها القرآن الكريم والسنة النبوية على وجه الاستحباب خلال العشر الأوائل من ذي الحجة؟ وما هي أبرز المخالفات الشرعية التي يجب على المسلم الابتعاد عنها خلال العاشر من ذي الحجة وهو يوم عيد الأضحى؟

هذه الأسئلة وغيرها أجاب عليها د.أحمد أبو حلبية أستاذ قسم الحديث الشريف وعلومه بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة، خلال الحوار الذي أجراه معه موقع "بصائر":

بصائر: بداية هل لك أن تلقي لنا الضوء  على فضل العشر الأوائل من ذي الحجة؟
د. أحمد أبو حلبية: إنَّ العبادة في تلك الأيام العشر من ذي الحجة مباركةٌ، بل وأفضل من غيرها، لدرجة أنَّها أفضل من الجهادإنَّ العبادة في تلك الأيام العشر من ذي الحجة مباركةٌ، بل وأفضل من غيرها، لدرجة أنَّها أفضل من الجهاد، والدليل على ذلك قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيامِ، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: ولا الجهادُ في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجعْ من ذلك بشيء)).

ولقد وردت الإشارة إلى فضل تلك الأيام العشر في بعض آيات القرآن الكريم ، ومنها عندما أقسم الله تعالى بها بقوله: {والفجر، وليالٍ عشر}، وكذلك في قوله تعالى:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}.
وتفسيراً لهذه الآية، فقد أورد ابنُ كثير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الأيام المعلومات هي أيام العشر الأوائل من ذي الحجة.

بصائر: هل توجد خصائص محدّدة للأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة؟
د. أحمد أبو حلبية: نعم، توجد خصائص كثيرة، حيث إنَّ الأيام العشر الأولى فيها "يوم عرفة"، وهو يومٌ تُغفَر فيه الذنوب، ولصيامه فضل خاص لقول رسولنا الكريم عندما سئل عن صيام يوم عرفة: ((يكفّر السنة الماضية والسنة القابلة))، وهذا لغير الحاج، أمَّا الحاج فلا يسن له فيه صيام.
تعدُّ هذه الأيام المباركات مناسبةً سنويةً مُتكررة تجتمع فيها أُمهات العبادات
كذلك، فإنَّ في تلك الأيام العشر"فريضة الحج" التي هي الركن الخامس من أركان الإسلام، وفيها استعدادٌ للأضاحي، إذ يمسك المضحِّي عن شعره وأظفاره.

أمَّا عن "يوم النحر"، وهو العاشر من ذي الحجة فهو من أعظم أيام الدُنيا كما روي عن عبد الله بن قُرْط عن النبي أنه قال: ((إنَّ أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يومُ النحر، ثم يوم القَرِّ)).
كما أنَّ العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل من الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان، لما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية.

كما وتعدُّ هذه الأيام المباركات مناسبةً سنويةً مُتكررة تجتمع فيها أُمهات العبادات كما أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله:" والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أُمهات العبادة فيه، وهي الصَّلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره ".


بصائر: ما هي العبادات المشروعة خلال الأيام العشر الأولى من ذي الحجة، والتي أشارت إليها بعض آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية على سبيل الاستحباب؟
د. أحمد أبو حلبية: ممَّا لاشك فيه أنَّ عبادة الله تعالى والتقرب إليه بالطاعات من الأمور الواجبة على الإنسان المسلم في كل وقتٍ وحين، إلاَّ أنَّها تتأكد في بعض الأوقات والمناسبات التي منها هذه الأيام العشرة من شهر ذي الحجة، فيجب الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى ودعائه وتلاوة القرآن الكريم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام أعظم عند الله ، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التكبير، والتهليل، والتحميد))، ويستحب أن ترفع الأصوات بالتكبير، وذكر الله في الأسواق والطرقات للرِّجال ما دون النساء.

كما أنَّ الإكثار من الدُّعاء الصَّالح في تلك الأيام أمرٌ مستحبٌّ اغتناماً لفضيلتها، وطمعاً في تحقق الإجابة فيها، إلى جانب النوافل والصيام لكونه من أفضل العبادات؛ وقالت بعض أزواج النبي (( كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصوم تسعَ ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيامٍ من كُلِ شهر، وأول اثنين من الشهر والخميس)).
والأصل أن يغتنم المسلمون تلك الأيام في أن يكونوا إخوةً متحابين، فيتصالحوا مع الله وأرحامهم وكل المسلمين.

وبالنسبة للصَّلاة يجب المحافظة عليها في جماعة والتبكير إليها والإكثار من النوافل وقيام الليل؛ فإن ذلك من أفضل القُربات؛ ففي الحديث: ((عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك خطيئة)).

بصائر: ما هو الوجه الأمثل الذي يجب أن يستقبل به المسلم هذا الموسم العظيم؟
د. أحمد أبو حلبية: بالتوبة الصّادقة النّصوح وبالإقلاع عن الذنوب والمعاصي؛ فإنَّ الذُّنوب هي التي تحرم الإنسان فضل ربه وتحجب قلبه عن مولاه، كذلك تُستقبل مواسم الخيرات بالعزم الصادق الجادّ على اغتنامها بما يُرضي الله؛ فمن صدق الله صدقه الله، ونية المؤمن خير من عمله.

ومن نوى الأضحية، فعليه ألا يأخذ شيئاً من أشعاره وأظفاره منذ أول يوم في شهر ذي الحجة؛ ففي الحديث: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يُضحّي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يُضحّى)).

بصائر: وماذا عن اليوم التَّاسع من ذي الحجة؛ والذي يعرف بـ (يوم عرفة)؟
د. أحمد أبو حلبية: من أراد الفوز في هذا اليوم بالعتق من النار وغفران الذنوب، فليحافظ على الأعمال الصالحة بصيام ذلك اليوم، حيث ورد في الحديث: ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والتي بعده)) .
كما يجب حفظ الجوارح عن المحرمات مطلقاً في ذلك اليوم ففي الحديث  ((يوم عرفة، هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غُفر له))، ويجب الإكثار من شهادة التوحيد بصدق وإخلاص ففي الحديث "كان أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة (لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير).
وكثرة الدُّعاء بالمغفرة والعتق من النار، فإنَّه يُرجى إجابة الدُّعاء فيه.


بصائر: ما هي العبادات المستحبة للمسلم القيام بها في اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم عيد الأضحى؟
د. أحمد أبو حلبية: الالتزام بالآداب الإسلامية والسنن الواردة في ذلك؛ كالغسل والتطيّب ولبس أجمل الثياب بدون إسراف ولا إسبال، وتأخير طعام الإفطار حتى الرجوع من المصلّى ليأكل من أضحيته أو غيرها، وأن يذهب إلى صلاة العيد في المصلّى خارج المسجد ماشياً ومعه أهل بيته (حتى النساء الحُيّض) والأطفال، ويذهب من طريق ويرجع من طريق آخر ويستمع إلى الخطبة.

ومن العبادات أيضاً الأضحية ووقتها بعد صلاة العيد ولا تُجزئ قبل الصَّلاة للحديث: ((إنَّ أوَّل ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي ثمَّ نرجع فننحر من فعل هذا فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدّمه لأهل بيته))، وحكمها: سنة ثابتة بالكتاب والسنة، وهى واجبة على أهل كلّ بيت مسلم قدر أهله عليها، وذبحها أفضل من التصدّق بقيمتها بإجماع الأمَّة؛ ففي الحديث الصَّحيح : (( من كان له سعة ولم يُضح فلا يقرب مُصلانا)).


بصائر: ما هي أبرز المخالفات الشرعية التي يجب على المسلم الابتعاد عنها خلال العاشر من ذي الحجة، "يوم عيد الأضحى"؟
د. أحمد أبو حلبية: الاستماع للغناء والموسيقى وهو محرَّم بنصّ القرآن والسنة وكلام الأئمَّة؛ فلقد ذكره الله في القرآن وسمّاه (لهو الحديث)، والاختلاط بالنساء أو مصافحتهم أو النظر إليهم، ففي الحديث المتفق عليه "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: (يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟) قال )) :الحَمُو الموت((، والحمو (أقارب الزوج)، فشبهه بالموت دلالة على الغاية في الشرِّ والفساد.
وتخصيص يوم العيد لزيارة القبور وهذه بدعة مُنكرة، وعدم التعاطف مع الفقراء والمساكين، والإسراف والتبذير.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

دروس وعبر من معركة “العصف المأكول” في ذكراها السادسة

ستة أعوام مرّت على معركة "العصف المأكول" التي بدأت في السابع من تموز/ يوليو من …