للثورات أخلاق – بقلم : د. يوسف رزقة

الرئيسية » حصاد الفكر » للثورات أخلاق – بقلم : د. يوسف رزقة
alt

للثورات أخلاق. فإذا كانت الثورة تمردًا على ماضٍ فاسد ورفض ثوري له، يستهدف إسقاطه، ومن ثمّ إصلاح الحكم والحياة من بعده، فإن عملية الإصلاح تقتضي أن تمسك الثورة بالقيم الأخلاقية بشكل أكثر نقاءً، لأنها وبعد نجاحها تكون بمثابة (الأستاذ، المرشد، والمصلح، والداعية) وهؤلاء يترفعون عادة عن (الأحقاد، والضغائن، والثارات، والكبائر والصغائر) ويقدّمون أنفسهم إلى الناس بديلاً طيبًا عن ماضٍ عفن فاسد.

الثورة إذن ذات وجهين لا وجه واحد، فإذا كان أحد وجهيها التمرد من خلال المظاهرات، أو من خلال استخدام السلاح والقوة، فإن الوجه الآخر يتشكل من الالتزام الدقيق بالقيم الأخلاقية التي اقتضاها الشرع الحنيف. لذا تجد الناس يقولون في تصنيفهم هذه ثورة بيضاء، وتلك ثورة حمراء، ففي البيضاء لا تنزف الدماء، ولا يسقط الأبرياء برصاص متعمد أو طائش، ولا يعرف الشعب فيها انتقام المنتصر من النظام المهزوم المندثر. ولا يتمّ عقاب فاسد مفسد إلا من خلال القضاء.الثورة ذات وجهين لا وجه واحد، فإذا كان أحد وجهيها التمرد من خلال المظاهرات، أو من خلال استخدام السلاح والقوة، فإن الوجه الآخر يتشكل من الالتزام الدقيق بالقيم الأخلاقية التي اقتضاها الشرع الحنيف. وعكس ذلك تمامًا يكون في الثورات الحمراء التي تسيل فيها دماء الخصوم والأبرياء بزعم تثبيت الثورة واجتثاث الأحزاب الحاكمة المهزومة.
اذهبوا فأنتم الطلقاء، تلك هي الكلمة الخالدة التي رسم فيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – معالم المرحلة في مكة بعد فتحها، حيث رفض – صلى الله عليه وسلم – الثورة الحمراء حين قال بنفي قول الصحابي (اليوم يوم الملحمة) وقال له (اليوم يوم المرحمة). الحالة الثورية كما يفهم من كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – حالة لا يجوز لها أن تفلت من العقل أو القلب، أو الرحمة لتخضع لقانون السيف، بل هي حالة عقل وقلب منضبطين بقيم الدين والأخلاق الكريمة.

هناك مبررات عديدة لإعمال السيف والانتقام من أركان النظام السابق الفاسد الذي ولغ في دماء الشعب وأعراضه وأمواله. ولكن بعد نجاح الثورة صار النظام وأركانه جزءًا من ماض لا يترحم عليه أحد، وهنا لا يجوز لقادة الثورة الانتقام ممن بقي حيًا بلا سلطان ولا جاه باسم الماضي الفاسد، لأن هذا عمل يقوم به القضاء ولا يقوم به الثوار، ولو قام به الثوار لسالت الدماء وصارت الثورة حمراء بلا إغراء أو بريق أو لمعان يغري الشعوب أن تسير إلى المنهج نفسه في الثورة على الأنظمة القمعية.

لابد للثورة في فلسطين ومصر وتونس وليبيا على وجه الخصوص أن تترفع عن الحقد والانتقام وأن تكل أمر المفسدين إلى القضاء، وأن تتحلى هي بأخلاق القرآن والنبوة، (فاليوم يوم المرحمة) والعفو، (وإن تعفوا أقرب للتقوى)، وفي ذلك طاعة لله وللرسول – صلى الله عليه وسلم – وفي الوقت نفسه إغراء للشعوب الأخرى للقيام بالثورة، وبيان عظيم للفارق بين الثورة الشعبية الإصلاحية الرحيمة، والأنظمة القمعية المستبدة التي كانت سببًا في تفجر الثورات العربية.

المصدر ( صحيفة فلسطين - غزة)

معلومات الموضوع

الوسوم

  • أخلاق
  • الثورة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

    هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …