الفساد الإداري وإجراءات الحد منه في الإسلام – بقلم: د . ماهر السوسي

الرئيسية » حصاد الفكر » الفساد الإداري وإجراءات الحد منه في الإسلام – بقلم: د . ماهر السوسي
alt
1 / 5 (1 votes)

الفساد والإدارة لفظان متضادان، فالفساد هدم وتخريب وتشويه للأشياء، والإدارة ضبط وتنظيم وتخطيط، والإسلام دين يحترم العقل، ويقدس النظام والتخطيط والانضباط، وهذا يبدو بجلاء في تشريعاته وأحكامه، والشواهد على ذلك كثيرة لا مجال للحديث عنها هنا.

من أجل ذلك نهى الإسلام عن الفساد، وأغلظ على المفسدين، وفي ذلك جاء قول الحق - عز وجل: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد}، وقوله تعالى: {وتلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا}، وغير ذلك كثير من النصوص في القرآن الكريم تبين سوء عاقبة المفسدين.
في الشريعة الإسلامية لا يجوز تعطيل مصالح المسلمين بشكل من الأشكال، وخصوصاً إذا عرفنا أن الشرائع السماوية ومنها الإسلام ما أنزلت إلا من أجل تحقيق المصالح ودفع المفاسد
من أجل ذلك رأينا الإسلام قد حرض كثيراً على محاربة الفساد الإداري في الدولة، وذلك لأسباب كثيرة، منها أن الوظيفة العامة في الدولة تحقق مصلحة للمسلمين، فكل موظف في الدولة ابتداء من رأس الهرم، وانتهاء بقاعدته، هو قائم على مصلحة من مصالح المسلمين.

وفي الشريعة الإسلامية لا يجوز تعطيل مصالح المسلمين بشكل من الأشكال، وخصوصاً إذا عرفنا أن الشرائع السماوية ومنها الإسلام ما أنزلت إلا من أجل تحقيق المصالح ودفع المفاسد، وفساد من يتولى هذه الوظيفة يعني أنه قد أضر بمصالح الناس التي هي أمانة من الأمانات، من أداها على وجهها فقد صدق مع الله تعالى، ومن خان في أدائها فقد خان الله ورسوله، جاء ذلك في القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

وبعد ذلك فإن الفساد الإداري هو تخريب للنظام العام في الدولة، ويضعف الأداء فيها، ويبدد ثرواتها وإمكانياتها في مصالح شخصية لا تتعدى المفسد نفسه.

ولذلك ومنعاً للفساد الإداري ما أمكن، فإن الإسلام اشترط في الموظف الذي يتولى أي وظيفة عامة أن يتوفر فيه شرطان لابد منهما: الشرط الأول القوة، والشرط الثاني الأمانة، وذلك لقول الله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.
الكفاءة هي مفتاح الولوج إلى الوظيفة العامة، وأن الأولوية للأكفأ، وأنه لا يجوز تولية الأقل كفاءة مع وجود الكفء
أما شرط الأمانة فهو معروف، عدم جحد الحقوق وردها لأصحابهما، مع حسن الأداء، وهي ضد الخيانة، وأما شرط القوة فالمقصود منه الخبرة، في الوظيفة التي يتولاها، بالإضافة إلى الكفاءة، بمعنى أن يكون هو أكثر كفاءة من غيره من الذين يصلحون لتولي هذه الوظيفة، وفي هذا ورد في الأثر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ((من ولى رجلاً على عصابة ـ أي على عمل أو على مجموعة من الناس ـ وهو يعلم أن فيهم من هو أرضى منه لله ولرسوله فقد خان الله ورسوله والمؤمنين))، فالنص يفيد أن الكفاءة هي مفتاح الولوج إلى الوظيفة العامة، وأن الأولوية للأكفأ، وأنه لا يجوز تولية الأقل كفاءة مع وجود الكفء.

والناظر في هذين الشرطين، القوَّة والأمانة، يمكنه أن يستخلص أن المشرع قد سعى من اجتماعهما معاً إلى الحدّ من ظاهرة الفساد الوظيفي؛ ذلك لأنه بالكفاءة (القوَّة) يتقن عمله، لأنَّه خيبر فيه، والأمانة هي الضابط لذلك، فقد يكون الإنسان كفئا، بل هو أكثر كفاءة من غيره، ولكنَّه ليس أميناً، فيخون ولا يؤدي عمله على خير وجه، لانتفاء الوازع الديني عنده، ولعدم خشيته الله تعالى، ولكن الأمانة هي الوازع الذاتي الواقي الذي يدفع الموظف الرَّسمي لإتقان عمله، مع عدم احتياجه إلى رقيب يتابع أداءه، وبذا نكون قد ضمنا أداء أفضل في العمل، ووفرنا من أعباء جهاز الرقابة في الدولة.

المصدر: صحيفة فلسطين (غزة)

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

تكرار الخطأ مع الأتراك.. وأوهام التغريب!

لا أعرف لماذا يكاد يتكرَّر الدرسُ اليوم بين العرب والأتراك العثمانيين، رغم قرن من التجارب، …