التقصير بحق”لاأله إلا الله”-بقلم:د.ديمة طهبوب

الرئيسية » حصاد الفكر » التقصير بحق”لاأله إلا الله”-بقلم:د.ديمة طهبوب
alt

على جاهليتهم كان مشركوا قريش ببلاغتهم الفطرية يعون مضامين الكلام و مقادر الأفعال و مآلاتها فلما أراد أبو طالب أن يحنن قلوبهم على ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه و سلم و يؤلف بين الفريقين قبل موته قال لهم: ما طالبكم الا بكلمة،يقصد الا إله الا الله، و لكنهم ردوا عليه: و الله لو طلب ألف كلمة لأعطيناه إياها الا هذه الكلمة!!! لأن الكلمة عن العرب يومها لم تكن كلاما يردد في الهواء و إنما اعتقاد وجداني راسخ يرتبط بعمل يصل الى بذل النفس و الدم و المال رخيصة كلها في سبيل تحقيق و إعلاء هذه الكلمة

كان الفهم ذاته عند أوائل من بايعوا من الصحابة فقبل أن يعطوا رسول الله كلمتهم، التي اشترط لله فيها عليهم أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا و ينصروا رسوله، أوقفهم أسعد بن زرارة و كان أحدثهم سنا، و قال" رويدا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكابد الإبل الا و نحن نعلم أنه رسول الله و لكن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة و مقتل خياركم و أن تعضكم السيوف فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك و أجركم على الله و اما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خبيئة فتبينوا ذلك فهو أعذر لكن عند الله، فكان الجواب اليقيني بعد الفهم و ربط البدايات بالنهايات و المضامين بالغايات: أمط عنا بيدك يا سعد ربح البيع إنها الجنة لا نقيل ولا نستقيل"
بهذه الكلمة و توابعها سادوا الدنيا و نحن نرددها يوميا و ما نزال في انكسارنا، هم نهضوا بمعنى لا إله الا الله و نحن خذلناها بتقصيرنا،
و الاسلام ما انفك يربط بين القول و الفعل فلما جاء حارثة لرسول فرحا يبشره و يقول له "أصبحت مؤمنا حقا" نبهه رسول الله قائلا: انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟" و على هذا بنى الإمام الشافعي فقال" و كان الإجماع من الصحابة و التابعين من بعدهم ممن أدركنا أن الإيمان قول و عمل و نية لا يجزىء واحد من الثلاثة عن الآخر"

بهذه الكلمة و توابعها سادوا الدنيا و نحن نرددها يوميا و ما نزال في انكسارنا، هم نهضوا بمعنى لا إله الا الله و نحن خذلناها بتقصيرنا، تحققوا بمعاني الألوهية و العبودية فعلوا بها و نحن غُلبنا و غلبناها و صدق الشاعر:
و لو أن أهل العلم صانوه صانهم    و لو عظموه في النفوس لعظما
و لكن أهانوه فهانوا و دنسوا        محياه بالأطماع حتى تجهما

و يعلق الدكتور أحمد الأبيض على المعاني اللغوية و العملية الشمولية للشهادة قائلا" إن من معاني الشهادة الحضور كأن نقول حضرت الصلاة، و من معانيها الشهادة على العالم في قوله تعالى "لتكونوا شهداء على الناس" و هذه الشهادة على العالم تحتاج التواجد معهم في كل ميادين الحياة فلا انعزال و لا انفصال، و الشهادة معناها العلم و العلم مرتبط به التوظيف فكل علم لا يوظف لا ينفع في إقامة أركان الشهادة، و الشهادة رقابة و حرص كذلك كما ورد في قول عيسى عليه السلام "و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم"، و الشهادة تحتاج لشجاعة للإدلاء بها و عدم كتمها "و لا تكتموا الشهادة"، وشهادة التوحيد إعلان فالسرية إذن ضرورة لا يُلجأ إليها الا عند الضرورة، و الشهادة أن نشهد وجودنا مع آخرين و نتعاون معهم "يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا و بينكم" ، و الشهادة أيضا مسؤولية في التبليغ و هذا ما فقهه ربعي بن عامر عندما أخبر رستم "ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد الى عباد رب العباد"، و الشهادة تستلزم أيضا الصبر على المنافقين و إمهال الجاهلين و إحسان الظن بالمخالفين فلقد قرع رسول الله حبيبه ابن حبيبه أسامة بن زيد عندما قتل رجلا من الأعداء بعدما قال لا إله الا الله و قال له: أقال لا إله إلا الله وقتلته ؟!  قلت : يا رسول الله ، إنما قالها خوفا من السلاح ، قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟!  فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، و الشهادة بذلك تكون أيضا منعة و عصمة و ضمانة و عهد أمان 

بهذه المعاني لا تكون الشهادة مجرد كلمات تخرج من الأفواه لا تجاوز الآذان و انما منهاج حياة يشمل أمر الدنيا و الأخرة و أمر خاصة النفس و جموع الآخرين لو لم ينزل غيرها على المسلمين لكفتهم فكيف و قد نزل التفصيل و بينت السنة بما يضمن السعادة في الدنيا و الآخرة

على لا إله الا الله عاشوا و عليها قضوا و عليها سيلقون الله و لا ينطق بها في موقف الفصل الا من عاش بها في حياته و ذلك مصداق قول الله تعالى "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة"

روي أن سيد قطب عندما كان يمشي الى منصة الإعدام اقترب منه الشيخ الذي كان حاضرا لتنفيذ الحكم قائلا: قل لا إله الا الله فرد عليه: حتى أنت جئت لتكمل المسرحية!! نحن يا أخي نُعدم من أجل لا إله الا الله و أنت تأكل الخبز بلا إله الا الله!!
و ما أكثر من يأكلون الخبز بلا إله الا الله و يبيعون الآخرة بعرض من الدنيا!!

مقصرون بحق لا إله الا الله التي نكررها يوميا في الصلوات الخمس و علينا أن نرددها بنفس الاستغفار و الاعتذار الى الله عن تقصيرنا لعله سبحانه بلحظة صدق و عزم يجعلنا أهلا لإقامة شهادة التوحيد على أنفسنا و أهلنا و أمتنا و رحمة للعالمين أجمعين...

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الانتخابات مدخلاً لإصلاح البيت الفلسطيني؟!

تداولت الأوساط الفلسطينية بارتياح تطورات الحوار بين فتح وحماس في إسطنبول، التي يبدو أنها قطعت …