الإسلام.. ذلك الدين الثوري (2-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » الإسلام.. ذلك الدين الثوري (2-2)
alt

تحدثنا في الحلقة الماضية عن الدور الكبير الذي لعبته الحركة الإسلاميَّة، على اختلاف أطيافها، في ربيع الثورات العربيَّة الذي لا يزال مستمرًّا إلى الآن، وكذلك دور الحركة الإسلاميَّة بألوانها الفكريَّة ومشروعاتها للتطوير الاجتماعي والسياسي والحضاري العام في مرحلة ما بعد نجاح هذه الثورات في العديد من البلدان العربيَّة، الكثير من النقاشات حول بعض الجوانب ذات الصلة بالمحتوى الفكري والعقدي الذي تحركت في إطاره القوى والحركات الإسلاميَّة خلال أحداث الثورات وما بعدها.

دلالة قرآنية ..

من بين المصطلحات المرتبطة، والتي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على فكرة التغيير الثوري العميق، مصطلح "الانتصار"، ويقول محمد عمارة إن الثورة تأتي كانتقام من جانب المظلومين من الظالم على تفاوت درجات الانتقام ومواطنه، وكذلك طبيعة هذا الظالم، وهل هو حاكم مستبد ظالم، أم مُستَعمِر خارجي، وكذلك "النصر" و"الانتصار".

 

فالنصر يعني إعانة المظلوم, والانتصار يعني الانتصاف من الظلم وأهله والانتقام منهم، وفي سُورة "الشُّورى" ما يؤيد ذلك.. يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)﴾.

 

ومن ذلك؛ فإن الثورة في تعريف جامع مانع هي الفعل الذي يستهدف تغيير المجتمع تغييرًا جذريًّا وشاملاً، والانتقال به من مرحلة معينة إلى أخرى أكثر تقدمًا، الأمر الذي يتيح للقوى الاجتماعيَّة الطليعيَّة أو المتقدمة في هذا المجتمع، أن تأخذ بيدها مقاليد الأمور، والهدف الرئيسي للفعل الثوري هو تغيير واقع الإنسان والمجتمع لصورة أكثر ملاءمةً وتمكينًا من أجل تحقيق سعادة الإنسان ورفاهيته، أي أن الثورة صورة من صور أدوات تحقيق بعض مقاصد الشريعة، ومن بينها تحقيق التقدم الإنساني في مختلف المجالات الماديَّة والرُّوحيَّة.

 

وتُعتبر قضيَّة المُثُل العليا والسعي إلى استدراكها وتحقيقها واحدة من أهم غايات الثورة، فالثورات قد تقوم لأسباب وعوامل ماديَّة وأخرى معنويَّة، إلا أنها في النهاية تكون من أجل إنفاذ قيمة بعينها، مثل العدالة الاجتماعيَّة، أو التصدي للظلم والفساد والاستبداد، أو تحرير الناس من نير الاستعباد المادي والمعنوي لحاكم ظالم أو محتلٍّ غاصب، أو أوضاع حضاريَّة سلبيَّة سائدة، مثل التخلف والجهل وغير ذلك.

 

الثورة في التاريخ الإسلامي

 

عبر التاريخ الإسلامي، ظهرت العديد من الأفكار المتنوعة والمتباينة في اتجاهاتها فيما يخص التَّعامُل مع الأوضاع السلبيَّة القائمة، وتمحورت هذه الأفكار والاتجاهات في ثلاثة مواقف رئيسيَّة عبر التاريخ الإسلامي، ظهرت العديد من الأفكار المتنوعة والمتباينة في اتجاهاتها فيما يخص التَّعامُل مع الأوضاع السلبيَّة القائمة، وتمحورت هذه الأفكار والاتجاهات في ثلاثة مواقف رئيسيَّة بعضها يدعو إلى الثورة والبعض إلى التعايش مع الواقع القائم أيًّا كانت مساوئه.

 

الموقف الأول هو الخروج بالسيف تبعاً لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ورد في القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة النبويَّة الشريفة بشكل لا لبس فيه، فخيريَّة الأمة مرتبطة بأمرَيْن الإيمان بالله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ورد في الآية الكريمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران- من الآية 110]، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاريُّ، أن رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم" قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيُّرَه فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان".

 

الموقف الثاني هو الهجرة، وهي على ذات معنيَيْن، الأول هو الهجرة المعنوية التي تعني هجرة الأفكار السلبيَّة والانتقال من حالة الاستسلام والسكون إلى حالة التمرد والحركة، والثاني هو المعنى الحركي، والذي يتحرك فيه الإنسان من مكان إلى مكان، ويتجاوز فيه المجتمع الظالم إلى آخر يعينه على تحقيق رسالة الإصلاح، وكلاهما فعله النبي "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم".

 

الموقف الثالث، هو ذلك الذي ينحو إلى طاعة ولي الأمر طاعة مطلقة، ولا يجيز الخروج عليه بأي صورة درءًا للفتنة، ومن بين هؤلاء المُرجئة في عهد الأمويين.

 

وعبر التاريخ الإسلامي ظهرت العديد من الثورات- بالمعنى الواسع للمصطلح- والتي تباينت في فعلها واتجاهاتها، فمن بينها ما تبنى السيف كوسيلةٍ للتغيير، مثل الخوارج وبعض الطوائف الشيعيَّة.

 

ومن بينها من تبنى أفكار وأدوات الإصلاح الاجتماعي والسياسي، مثل الإصلاحات التي قام بها الخليفة عمر بن عبد العزيز في عصور الإسلام الأولى، وصلاح الدين الأيوبي في عصور الإسلام الوسيطة، وتلك التي حاول علي بك الكبير ومحمد علي باشا الكبير في مصر، ودعا إليها جمال الدين الأفغاني في عصور الإسلام المتأخرة.

 

ومن بين ذلك أيضًا ثورات قامت على أساس حراك شعبي نضالي لاسترداد الحقوق من الحاكم الظالم والمحتل الغاشم، مثل ثورة عرابي في مصر والانتفاضات المتعاقبة للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، والتي هي أيضًا شكل من أشكال الثورات بالمعنى المباشر للكلمة، وكذلك ثورات الربيع العربي الحالية التي قادتها قوى إسلاميَّة، على رأسها الإخوان المسلمين، وتسعى إلى لعب دور طليعي في المرحلة الحالية والمستقبليَّة لصوغ واقع ومستقبل بلادها.

 

وفي الأخير، فإن الثورة في الإسلام هي بالأساس شأن قيمي؛ حيث تقوم الثورات من أجل إعلاء قيم بعينها على قيم أخرى، أو التصدي لقيم سلبيَّة قائمة، مثل الظلم والفساد والاستبداد، أيًّا من كان الطرف الذي قامت ضده هذه الثورة، بخلاف ما يقول به البعض!!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ …