استمسك بالذي أوحي إليك – بقلم :د.صلاح الخالدي

الرئيسية » حصاد الفكر » استمسك بالذي أوحي إليك – بقلم :د.صلاح الخالدي
alt

قال الله عز وجل: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } [ الزخرف: 43،44].

يُوجه الله رسوله صلى الله عليه وسلم في هاتين الآيتين إلى الاستمساك بالقرآن، واليقين بأنه على صراط مستقيم، ويُقرر أن هذا القرآن ذكر ورفعة وعزّة له ولقومه، وسوف يُسألون عن التزامهم به يوم القيامة.

ولقد استمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن، كما استمسك به أصحابه الكرام، رضي الله عنهم، ومن بعدهم من أجيال المسلمين، ورفع الله لهم ذكرهم، وأعلى منزلتهم، وقادوا العالم، ونشروا في الناس نور الله.

وعندما نتلوا هاتين الآيتين: فلا يجوز لنا أن نُخصصهما بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما نُعممهما لتكونا خِطاباً للمسلمين على اختلاف الزمان والمكان..

وعلينا أن نتذكر دائماً أن هذا المفتاح الأساسي للتعامل مع القرآن، وهو: " خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته، ما لم يقم دليل على التخصيص" .

فعندما يقرأ أحدنا آية من القرآن، يخاطب فيها الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يقصرها عليه، وإنما يعممها على المسلمين، وعلى هذا الأساس يقف أمامها، ويتدبرها، ويأخذ نصيبه منها، ويوقن أن الله يُخاطبه ويُكلفه، ويأمره وينهاه!!

يُخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم آمراً له بالاستمساك بالقرآن: { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ..}. ولقد وعى صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الرباني، والتزم به أحسن التزام، كما فعل ذلك أصحابه رضوان الله عليهم.

فأنت أيها المسلم الحبيب مأمور بالإستمساك بالقرآن، فتعال معي نتدبر هذا الأمر، ونتعرف عليه، لنُحسن فهمه، ثم نُحسن تنفيذه.

" اسْتَمْسِكْ " : فعل أمر، الماضي منه سداسي، وهو: " اسْتَمْسَكَ "، وهو مزيد بالهمزة والسين والتاء، الثُّلاثي المجرد الأصيل منه : " مَسَّكَ "ن ومسك الشيء أخذه وتناوله وعمل على تمتين الصلة به وتقويتها وتوثيقها، والإنسان لا يمسك بالشيء إلا إذا كان هذا الشيء نفسياً له قيمته، وإلا إذا كان هو مضطراً مُحتاجاً إليه، إن لم يمسك به فسوف يخسر أو يهلك.

تقول: مسك الفريق بالحبل. وعندما تريد توكيداً أكثر تقول: أمسك الفريق بالحبل، والخُماسي فيه مزيد توكيد. تقول: تَمَسَّك الفريق بالحبل. أما السداسي فهو القمة في التوكيد والإضطرار. تقول: استمسك الفريق بالحبل.

وكل مسلم مأمور بالاستمساك بالقرآن، وأن يأخذ أقصى وآكد واوثق حالات الاستمساك: { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ..} وهذا الاستمساك يوحي بأهمية هذا القرآن، كما يوحي بمدى حاجتنا في هذا الزمان إلى الاستمساك به كاملاً، كي نحسن تجاوز الفتن والمحن من حولنا..

وبعد الأمر بالاستمساك الوثيق بالقرآن يُخاطبك الله أيها المسلم الحبيب مُقرراً لك: { إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }. وهذا الصراط المستقيم هو الحق الأصيل الثابت، المُتمثل بالقرآن، والمحصور بالإسلام عقيدة وشريعة وحكماً ومنهاج حياة..

ومن الضّروري جداً للمسلم المُعاصر المُستمسك بالقرآن يقينهُ أنه على صراط مستقيم، وأن لا يندس إليه شك في هذا اليقين، لأن هذا المسلم المُعاصر يعيش في عصر الخِداع والتمويه وتغيير المفاهيم وتخريب الأفكار، وتحريف المُصطلحات، وهجوم أعداء القرآن من اليهود والصليبيين والمُنحرفين الشاذين عليه بهدف "غسل" دماغه، وتغيير قيمه ومبادئه وحقائقه، إنه امام هذه الهجمة في حاجة ماسة إلى اليقين الجازم أنه على صراط مستقيم، وأن أعدائه الهاجمين عليه على الباطل والهوى، فكيف يتخلى عن الصراط المستقيم، ليسير خلف الشياطين على طريق الخداع !

وحتى يزداد استمساكك بالقرآن ويقينك بأنك على الحق يُخبرك الله أن هذا القرآن ذكر لك ولأهلك، وسوف تُسألون عنه وعن استمساككم به يوم القيامة { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } .. والذكر هو: رفعة .... والتكريم والتشريف. وكل انسان يبحث عن الطريق إلى الذكر والشهرة و ....

إن الاستمساك بالقرآن والتزام ما فيه، والحركة به، والاقبال عليه، والاكتفاء به، هو طريق الذكر الجميل.

يا من تُريد أن تُذكر وتُعرف، وتكون مشهوراً علماً، إن طريقك إلى هذا المقصد النبيل هو القرآن، عندما تحسن الاستمساك بالقرآن فإن الله يذْكُرك محباً لك، وإن أهل السماء يذكرونك محبين لك، وإن الطالحين والصالحات في الأرض يذكرونك مُحبين لك، فهنيئاً لك هذا الذكر وهذه الشُّهرة والسمعة في الدُّنيا والآخرة. قال الله عز وجل : { لقد أنزلنا إليكم كتاباّ فيه ذِكركم أفلا تعقلون } [الأنبياء: 10] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين .. "

أيها المسلم الحبيب، وأيتها المسلمة العزيزة: نحن بالقرآن كل شيء ونحن بدون القرآن لا شيء، ونحن بدون القرآن لسنا من الله في شيء، هنيئاً للواحد منا أن يُذكر بالقرآن، كأن يُقال: الإمام الشهيد حسن البنا هو الرجل القرآني، والرائد الشهيد سيد قطب هو صاحب الظلال مفسر القرآن. ما أجمل أن تُعرفوا وتُشتهروا يا أحبابنا من إخواننا وأخواتنا بالقرآن ومن خلال القرآن، وأن يقترن اسم الواحد منكم بالقرآن، فهذا هو الذكر الجميل.

أنصحكم يا أحبابنا القرآنيين أن تقفوا دائماً أمام هاتين الآيتين، وأن تستمروا على تذكرها دائماً، وأن لا تغفلوا عنها لحظة، وأن تنظروا دائماً إلى درجة استمساككم بالقرآن، وفي مستوى صلتكم به، لا نريد مسكاً ولا إمساكاً ولا تمسكاً بالقرآن، إنما نريد استمساكاً قوياً به، وصدق حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عندما قال: " نحن في زمان لا ينجو فيه إلا من دعا كدعاء الغريق.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …