كن غريباً أو عابرَ سبيل

الرئيسية » خواطر تربوية » كن غريباً أو عابرَ سبيل
alt

ها هو عام 2011م يطوي أيّامه الأخيرة في حياتنا، بما حملت من سلبيات وإيجابيات، وحسنات وسيّئات، وأفراح وأتراح، وهاهو عام 2012م يحلّ علينا، وهو في أيامه الأولى، وسيمضي، وتمضي معه أعمارنا، فهل سأل أحدنا نفسه: كم بلغت من العمر؟  وإلى أين المسير في هذه الحياة؟ وما هي نظرتنا لحقيقة الدنيا؟

قد تكونَ بلغت من العمر ثلاثين أو أربعين أو خمسين، قد يزيد ذلك أو ينقص، لكن يبقى مسيرنا جميعاً إلى نقطة واحدة هي الموت، إذ يؤمن جميعنا أنَّ الحياة الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء.

سأل الفضيلُ بن عياض رجلاً :(كم أتت عليك ؟ ) قال : ستون سنة.
قال الفضيل بن عياض : (تحسن فيما بقي، يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضي وما بقي).
قال: (فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ).  فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون . فقال الفضيل: أتعرف تفسيره ؟ .

تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فمن عرف أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف، فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليعد للسؤال جواباً .

فقال الرجل : فما الحيلة ؟ قال : يسيرة . قال: ما هي ؟ قال الفضيل بن عياض : (تحسن فيما بقي، يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضي وما بقي).

في هذا الحديث النبوي الصَّحيح الذي بين أيدينا  يرسم لنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كيفية التعامل مع الواقع الذي نعيشه في هذه الحياة الدنيا، وكيف ننظر إلى حقيقتها.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنكبي فقال:  ((كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل)).

وكان ابنُ عمر يقول: (إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصَّباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخُذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك). (رواه البخاري في صحيحه).

شرح المفردات:

((كأنك غريب)) : بعيد عن موطنه لا يتخذ الدار التي هو فيها موطنا ولا يحدث نفسه بالبقاء قال العيني هذه كلمة جامعة لأنواع النصائح إذ الغريب لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد والنفاق والنزاع وسائر الرذائل منشؤها الاختلاط بالخلائق ولقلة إقامته قليل الدَّار والبستان والمزرعة والأهل والعيال وسائر العلائق التي هي منشأ الاشتغال عن الخالق.

((عابر سبيل)): مارٌّ بطريق، وتعلّقاته أقلّ من تعلّقات الغريب.

((خذ من صحتك لمرضك)): اشتغل حال الصّحة بالطاعات بقدر يسدّ الخلل والنقص الحاصل بسبب المرض الذي قد يقعد عنها.

((من حياتك لموتك)): اغتنم أيام حياتك بالأعمال التي تنفعك عند الله تعالى بعد موتك.

حقيقة الدُّنيا ..
قال الإمام النووي رحمه الله : (لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلّق منها بما لا يتعلّق به الغريب في غير وطنه).
قال عمر بن عبد العزيز في خطبته : (إنَّ الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عمَّا قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرّحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزاد التقوى، وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنا، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين؛ إمَّا أن يكون كأنَّه غريب مقيم في بلد غربة همّه التزوّد للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنَّه مسافر غير مقيم البتة، بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة).

قال الفضيلُ بن عياض: (المؤمن في الدنيا مهموم حزين همّه مَرْمَة جهازه، ومن كان في الدنيا كذلك، فلا همَّ له إلاَّ التزود بما ينفعه عند العود إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزّهم، ولا يجزع من الذل عندهم).

قال الإمام النووي رحمه الله : (لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلّق منها بما لا يتعلّق به الغريب في غير وطنه).

نِعْمَ الرِّسالة ..

كتب الإمام الأوزاعي إلى أخٍ له : (أمَّا بعدُ، فقد أحيط بك من كلِّ جانب، واعلم أنَّه يُسار بك في كلِّ يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به . والسَّلام).

نسيرُ إلى الآجال في كلِّ لحظة      وأيامنا تُطوى وهن مراحلُ
ولم أرَ مثل الموت حقاً كأنَّه           إذا ما تخطته الأماني باطلُ
ترحَّل من الدنيا بزادٍ من التُّقى         فعمرك أيامٌ وهن قلائلُ

مراجع للاستزادة :
-جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي.
-إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي.
-الآداب الشرعية، لابن مفلح الحنبلي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الدعاء والقدر

- "الدُّعاءُ ينفَعُ ممَّا نزَل وما لَمْ ينزِلْ، وإنَّ الدُّعاءَ لَيَلْقى البَلاءَ فيَعْتَلِجانِ إلى يومِ …