الكواكبي والأفغاني .. مدارس في مواجهة الاستبداد(1-2 )

الرئيسية » بصائر الفكر » الكواكبي والأفغاني .. مدارس في مواجهة الاستبداد(1-2 )
alt

من بين أهم الأسئلة المعروضة في بلدان العالم العربي التي تشهد ثورات تحوّلت إلى مواجهات مفتوحة بين الشعوب والأنظمة، وخصوصًا في البلدان التي استقرت فيها الأمور بشكل نسبي، هو سؤال الغد؛ ماذا بعد؟!.

 

وفي حقيقة الأمر، فإنَّ هذا السؤال هو أكثر الأسئلة مشروعيَّة في الوقت الراهن؛ حيث الماضي لا يزال جاثمًا على الحاضر بميراثه السياسي والاجتماعي والحضاري الثقيل، وتطلع الشعوب إلى غدٍ أفضل لها.

 

وللإجابة على هذا السؤال، فإننا يجب علينا أولاً توصيف الحالة التي تعيشها بلدان عالمنا العربي والإسلامي؛ حيث أنظمة حكم مستبدة توافقت في أجندتها وأهدافها مع قوى الاستكبار والاستعمار العالمي، والتي لم تتوقف لحظة واحدة عن البحث عن وسيلة للتمدد في فضائنا العربي والإسلامي، من أجل تحقيق مصالح متنوعة، سياسيَّة واقتصاديَّة وأمنيَّة، تتداخل فيها إسرائيل مع النفط، مع التجارة العالميَّة، مع "الإرهاب"، مع غير ذلك.

 

وإنَّ الباحث المدقق في هذه الحالة، يدرك مدى التشابه القائم بين هذه المرحلة، وبين مرحلة التنوير التي تلت مقدم الحملة الفرنسيَّة إلى مصر، ثم تجربة محمد علي باشا الكبير النهضويَّة في مصر وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربيَّة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتجربة ابنه الخديوِ اسماعيل، في النصف الثاني منه، والتي انتهت كلتيهما بانكسارة عسكريَّة واقتصاديَّة، انتهت بدخول الاحتلال الإنجليزي إلى مصر في العام 1882م.

 

وفي تلك المرحلة التي شهدت هذه الأوضاع من استعمار أجنبي، واستبداد داخلي، مع ظهور معالم سقوط دولة الخلافة الإسلاميَّة، عرفت الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين الميلادي، عودة لإحياء علم شديد الأهميَّة في العلوم الاجتماعيَّة، وهو علم الاجتماع السياسي، والذي يدرس الظاهرة السياسيَّة، المتعلقة بصيرورات عمليَّة السياسة والحكم داخل من زاوية مجتمعيَّة وإنسانيَّة بالأساس، أو هو يدرس الظاهرة الاجتماعيَّة والإنسانيَّة من زاوية سياسيَّة.على اختلاف الرؤى التي قدَّمها هؤلاء الأئمَّة والمفكرون؛ إلاَّ أنَّهم أجمعوا على أنَّ الداء الرئيسي للأمَّة إنما هو الاستبداد والاستعمار، وكلاهما قاد إلى حالة من الجمود على مختلف المستويات الحضاريَّة اللازمة لتقدم أية أمة وسط الأمم الإنسانيَّة الأخرى.

ومن بين أبرز الأسماء التي برزت في هذا المجال، جمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي، صاحب أهم كتاب في مجال الاجتماع السياسي في العالم الإسلامي، في العصر الحديث، وهو "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، الذي صدر في أسوأ مراحل انحدار دولة الخلافة الإسلاميَّة.

هذه العقول المسلمة، تناولت في أدبياتها مختلف القضايا المتعلقة بمشكلة تخلف الأمة في تلك المرحلة التاريخيَّة من حياتها، والتي دالت فيها دولة الخلافة الإسلاميَّة وتفكَّكت بسبب حالة التخلف التي آلت إليها، على مختلف المستويات الحضاريَّة، تطبيقًا للسنن الإلهيَّة للعمران البشري.

 

وفي قراءتهم لواقع الأمَّة في ذلك الحين، وجد هؤلاء العديد من الأمراض التي كانت تنخر في عظام الأمة، سياسيًّا ومجتمعيًّا، طارحين استراتيجيات المعالجة، وفق ما رأى كل منهم أن له أولوية في حياة الأمة.

 

فعرض الإمام محمد عبده التربية كأولويَّة أولى، بينما اختلف معه تلميذه الأفغاني في ضرورة الإصلاح السياسي أولاً حتى يمكن تحقيق تربية سليمة للمجتمعات.

 

ولكن، وعلى اختلاف الرؤى التي قدَّمها هؤلاء الأئمَّة والمفكرون؛ إلاَّ أنَّهم أجمعوا على أنَّ الداء الرئيسي للأمَّة إنما هو الاستبداد والاستعمار، وكلاهما قاد إلى حالة من الجمود على مختلف المستويات الحضاريَّة اللازمة لتقدم أية أمة وسط الأمم الإنسانيَّة الأخرى.

 

فلقد ظهرت أفكار وأدبيات هذه المجموعة التي أعادت إحياء تراث ابن حنبل وابن تيمية والعزّ بن عبد السلام الثوري، في وقت كان فيه الاستعمار البريطاني والفرنسي يجثمان على أنفاس الأمَّة، من جهة، وحكم استبدادي خانق، قاد الأمة إلى هزيمة حضاريَّة كاملة أمام الاستعمار الذي وجد في هذا الاستبداد، من خلال دعم المستفيدين منه، فرصة ذهبيَّة للبقاء، من خلال التحالف مع المستبدين، ودعم بقائهم في الحكم.

 

الاستبداد وماهيته

يعرِّف الكواكبي الاستبداد لغةً على أنه "غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة"، ويضيف أنه يُراد بالاستبداد عند إطلاقه "استبداد الحكومات خاصةً، لأنها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة".

 

ويشرح محمَّد عمارة ذلك بالقول: إنَّ الاستبداد يعني الانفراد بالسلطة والسلطان، في أي ميدان من ميادين ممارسة السلطة، أو العمل الرعوي، بدءًا من مستوى الأسرة، ووصلاً إلى مستوى الدولة، وفي كل المجالات، في صناعة القرار، أو في الاستئثار بالمال والثروة، وغير ذلك من ميادين ممارسة النفوذ الإنساني.

 

ويضيف الكواكبي في وصف الاستبداد في اصطلاح السياسيين، بأنه تصرف فرد أو جمع في حقوق القوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، ويزيد الكواكبي بأن الاستبداد هو صفة الحكومة المطلقة العنان، فعلاً وحكمًا، والتي تتصرف في شئون الرعية بلا خشية حساب، ولا عقاب محققين".

 

إلاَّ أنَّ الكواكبي في توصيفه لحالة الاستبداد في المجتمعات الإنسانيَّة، يقول إن هذه المجتمعات التي تُعاني من الحكومات والأنظمة المستبدة، تنقسم إلى نوعَيْن، الأول أن تكون الحكومة "غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شرعة، أو على أمثلة تقليديَّة، أو على إرادة الأمة، وهذه حالة الحكومات المطلقة"، أو هي "مقيّدة بنوع من ذلك، ولكنَّها تملك بنفوذها إبطال قوَّة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تسمى نفسها بالمقيدة أو بالجمهوريَّة".

 

وهي كما نرى صورة جيّدة لواقع الحال في عالمنا العربي، ما بين ملكيَّات مطلقة مستبدة، وجمهوريَّات صوريَّة "تحتكم" إلى دساتير، أو جمهوريَّات مستبدة وراثيَّة!

 

بل إنَّ الكواكبي كان نافذ النظرة لدرجة توصيفه لطبيعة المجتمعات العربيَّة في الوقت الراهن، والتي صار فيها الاستبداد بمثابة ممارسة يوميَّة وثقافة عامة، فيقول في طبائعه: "الحكومة المستبدة تكون طبعًا مستبدة في كلِّ فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرَّاش، إلى كنَّاس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلاَّ من أسفل أهل طبقته أخلاقًا".

 

ويضيف في هذا: "الأسافل لا يهمهم طبعًا الكرامة وحسن السمعة؛ إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه، وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته".

 

وهي ظاهرة بالفعل موجودة، وبشدة في مجتمعاتنا العربيَّة والإسلاميَّة، ومن يتعاملون مع موظفي الخدمة العامة والجهاز الحكومي ؛ سوف يجد مدى دقة توصيف الكواكبي هذا!

 

معلومات الموضوع

الوسوم

  • التغيير
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

    تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …