ابن خلدون وثوراتنا العربية (2-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » ابن خلدون وثوراتنا العربية (2-2)
alt

تحدثنا في الحلقة الماضية عن بعض الكتابات التي تمَّ وضعها قبل ربيع الثورات العربيَّة، كانت تحمل نظرة متشائمة تجاه الأوضاع في عالمنا العربي، وكانت ترى أنَّ التغيير من الصُّعوبة بمكان، ما دامت الأنظمة العربية تضمن ولاء جيوشها، وأشرنا  كيف  وقعت أجهزة المعلومات والتقييم والتخطيط في الغرب في هذا الخطأ ،  كما أشرنا إلى السنن الكونية في العمران البشري حيث هناك مجموعة من القوانين التي تحكم صيرورات أي كائن أو مخلوق، وتتلخص ببساطة في النشوء ثمَّ النمو، فمرحلة الفتوة، ثمَّ الضعف والانحدار، وحتى الزوال والاختفاء , وأشرنا في هذه الصدد إلى رؤية بن خلدون في تطور العمران البشري . ونتحدث في هذه الحلقة عن واقعنا العربي  , ومستقبل الثورات العربية على ضوء قوانين العمران البشري

 

واقعنا العربي:

إذا ما قفزنا قفزة زمنيَّة من قرون النهضة الإسلاميَّة التي كشف فيها هؤلاء العمرانيون النقاب عن هذه القوانين، إلى زمننا المعاصر؛ سوف نجد أنَّ كلَّ ما تكلموا عنه من شروط انهيار الحضارات والدَّول، ينطبق بحذافيره على واقع أنظمتنا في العالم العربي، وخصوصًا من سقط منها، وليس يعني ذلك أنَّ الباقين يعون هذه القوانين، أو يأخذون بعوامل النهضة الحضاريَّة، ولكنَّهم فقط في مرحلة الصعود إلى الهاوية فقط، لسبب أو لآخر يتعلق بشعوبهم.

 

ولسنا بحاجة إلى الحديث عن ظلم الأنظمة أو انتهاكها لكافة معايير الحكم الرشيد، من احترام لحقوق الإنسان، وحسن توزيع الثروة والسلطة من دون تمييز على عموم الناس والمجتمع، فهذا أضحى أحد ثوابت الكون، ولكنَّنا بحاجة إلى لفت الأنظار إلى تطبيقات عمليَّة للقوانين سالفة الذكر.

لقد تغافل الكثيرون في تقييهم للأوضاع السياسية والاجتماعية قبل الربيع العربي عن أمرين : الأوَّل هو وصول الأنظمة العربيَّة الحاكمة إلى مراحل متأخرة من الظلم وتراخي دور الدَّولة والحاكم، وهما العاملان الأهم للانحدار والزوال. والثاني: تغافل تأثير الحراك الشعبي والمجتمعي والذي كان يموج بالحركة النشطة وكان كامنا تحت سطح الجمود السياسي.

 

لقد تغافل الكثيرون في تقييمهم للأوضاع السياسيَّة والاجتماعيَّة قبل الربيع العربي، عن أمرَيْن؛ الأوَّل هو وصول الأنظمة العربيَّة الحاكمة إلى مراحل متأخرة من الظلم وتراخي دور الدَّولة والحاكم، وهما العاملان الأهم للانحدار والزوال، كما حدَّده الآباء الأوائل لعلم الاجتماع العرب والمسلمين، كما رأينا.

العامل الثاني هو تغافل تأثير الحراك الشعبي والمجتمعي، والذي كان يموج بالحركة النَّشطة، وكان كامنًا تحت سطح الجمود السياسي القائم على مستوى قمَّة الأنظمة الحاكمة.

فكان الناظر إلى الأوضاع في بلدان عالمنا العربي من سطحها، على مستوى الأنظمة السياسيَّة، والتي صار لها عقود حاكمة، كان يُخيَّل إليه أنَّه لا أمل في التغيير، فهناك مسؤولون وقادة حزبيون وسياسيون على مقاعدهم وفي أماكنهم منذ عقود طويلة، وحتى عندما يحدث تغيير؛ كان يتم في هذه الدَّائرة نفسها.

إلاَّ أنَّ المتمعِّن في الوضع على مستوى القاعدة، كان يجد الكثير من الحراك المشتعل، والذي كان يحمل علامات لا لبس فيها تُشير إلى وصول الأمور إلى مرحلة اللا عودة.

 

مستقبل الثورات وقوانين العمران:

عند الحديث على مستقبل الثورات العربية من زاوية قوانين الاجتماع البشري، ومن خلال تجارب التاريخ الإنساني، فإنَّ هناك العديد من الحقائق التي لابد من إدراكها تمام الإدراك، حتى يمكن التعامل بشيء من الفاعليَّة مع الواقع القائم، والمستقبل القريب والبعيد.

 

ومن بين أهم هذه الحقائق أنَّ كلَّ ثورة لها ثورة مضادة؛ حيث إنَّ الأنظمة السابقة لا تموت بالكامل وتختفي، ولكن يبقى لها الكثير من الذيول التي تعمل على بث الفوضى والقيام بأعمال عنف، من أجل إفشال الثورات التي أطاحت بهذه الأنظمة، والتي لا يمكن إغفال أنَّها لم تستمر في الحكم لعقود طويلة من فراغ، وإنَّما من خلال بناء قواعد سياسيَّة واجتماعيَّة تسندها وتدعمها.

 

كما يجب أن تُدرك القوى الطليعيَّة المُنظَّمة التي تتقدم الصفوف أنَّها في سبيل إعادة تنظيم الأمور وترتيبها وفق القواعد الجديدة، سوف تُواجه بتحديات داخليَّة تتعلق بسنن التغيير وآثاره؛ حيث لن تستوعب الكثير من الفئات والقوى الثورية الأخرى غير المنظَّمة ألا تسير الأمور كما ترغب هي تمامًا، ولذلك سوف تقوم هي بدورها بالكثير من العنف والفوضى.

 

إلاَّ أنَّه يبقى أمامنا مجموعة من الحقائق المتعلقة بإنجازات الثورات العربية، وعلى رأسها إعادة الروح للإنسان العربي، مع إدراك الشعوب لقدرتها على الفعل والتأثير، وأنَّها تملك قوَّة لم تكن تدرك أبدًا أنها تمتلكها، وأنَّ الثورات العربيَّة قد وضعت الأمَّة على الطريق الصَّحيح.

 

ولذلك لا يجب التشاؤم، فبجانب أنَّنا نُهينا عن التشاؤم كأمَّة محمَّد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، فإنَّ قوانين العمران البشري كما أخبرتنا بأننا نعيش حالة من التردي الحضاري؛ فإنها تخبرنا أيضًا بأننا يمكننا أن نذهب إلى حالة من النهوض الجديد مرَّة أخرى.

 

فصاعد الأندلسي في كتابه "طبقات الأمم"، يصوغ قانونًا "متفائلاً" يقول فيه: إنَّ الحضارات الإنسانية تمر بثلاث مراحل رئيسة، وهي: نهوض حضاري، ثمَّ نكوص وانحلال، ثمَّ نهوض جديد.

 

ولكن الأندلسي يربط النهوض الجديد بشروط، وهي ضرورة توافر عوامل النهضة والتفوق على عناصر ضعف المجتمع، مع ضرورة سعيه إلى امتلاك مقوّمات التغيير الإيجابي!.. فهل وصلت الرِّسالة؟!..

 

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …