خلق المراقبة .. ضرورة العصر

الرئيسية » بصائر تربوية » خلق المراقبة .. ضرورة العصر
TALKING-WITH-KIDS24

الأبناء فلذات الأكباد، فالكلُّ يحاول أن يُربِّي أبناءه على الأخلاق الفاضلة والبعد عن الرذائل، ولكنّنا نسمع قصص وحكايات غريبة تقع من الأبناء في غفلةٍ من الآباء والأمهات، فعندما تغيب الأم عن أبنائها، وينشغل الأب بعمله، قد تقع الكوارث من الأبناء.

والسؤال: هل مطلوب من الآباء والأمهات أن يظلوا في البيت 24 ساعةً ليراقبوا سلوكيات أبنائهم، إنَّ هذا صعب إن لم يكن مستحيلاً، ولكن مطلوب من الآباء غرس قيم وفضائل في نفوس الأبناء لتظل معهم أينما كانوا، وحتى لو غابت الأم أو الأب عن الأبناء فهذه القيم لا تغيب أبدًا.. ما دمنا قد أحسنا غرسها في نفوسهم.

ومن هذه القيم المطلوبة والملحة، خاصةً هذه الأيام التي انتشرت فيها وسائل الغواية والضلال دون رقيبٍ أو حسيب، "قيمة المراقبة"، مراقبة الله عزّ وجل في كلِّ وقت وفي كلِّ حين، وهذا الخلق كفيل بأن يحفظ أبناءنا من الوقوع في المهلكات، وجديرٌ بأن يعصمهم من الوقوع في الزلل والخطايا، إن أحسنا غرسه في نفوسهم.

فكيف نُحيي هذا الخلق في نفوس أبنائنا، وكيف نغرس هذه القيمة غرسًا يُؤتي أكله بعد حين؟ هذا ما سنوضحه في السطور التالية.

أولاً: غرس الإيمان في نفوس الأبناء: بأن الله يرانا في أيّ مكان كنا، ومطّلع على أعمالنا، وسوف يحاسبنا الله عزّ وجل على كلِّ فعل فعلناه، وأن نعلم الطفل في صغره هذه الكلمات: "الله ناظري، الله شاهدي، الله مطلع علي"، فسوف يردّدها الطفل بلسانه كثيرًا، حتى تستقر في قلبه ووجدانه، وسوف ترى أثرها بعد ذلك.

ثانيًا: غرس الحياء من الله، ومن الملائكة، ومن نفسه التي بين جنبيه: بأن نعرف الطفل العيب وأن يستحي من نفسه أن يفعل الخطأ وإن لم يكن يراه أحد، ثمَّ نعرفه بأنَّ هناك ملكين معه في كلِّ وقت يراقبنه ويكتبان عنه كل شيء يفعله، فيجب أن يستحي من الملائكة التي معه أن تراه على فعل مشين، كما يجب أن نعظم الله في قلبه، وأن الله يحبنا وأعطانا نعمًا كثيرة لم يعطها لغيرنا، فيستحيي الطفل أن يستخدم نعم الله في معصيته، فقد يأخذها الله منه ويغضب عليه.
ثالثًا: نروي لأطفالنا قصصًا عن المراقبة حدثت لأطفالٍ مثلهم: فلا شك أنَّ هذه القصص تترك أثرًا جميلاً في نفوس الأبناء، وعندما يحدث من الطفل موقفًا مشابهًا أو يكون وحده ويطلب منه أحد زملائه فعل خطأ معين بحجة أنّه لا يراه أحد فلا شك سوف يتذكر الطفل هذه القصص، ويكون هو بطل الموقف ويرفض بشدَّة، ويقول من أعماق قلبه: (إن الله يراني).

قصص من المراقبة
ونورد هنا بعض الحكايات والقصص الواقعية التي حدثت لأولاد صغار تشربوا الإيمان وحب الله في الصغر، فعلموا أن الله يراهم فاستحيوا أن يراهم على معصية.

1- بنت بائعة اللبن:

مرّ عمرُ ابن الخطاب رضي اللهُ عنه، ذات ليلة يتتبع أحوال الأمَّة، وتعب فاتكاءَ على جدارٍ ليستريح، فإذا بمرأةٍ تقولُ لابنتها: أمذقي اللبنَ بالماءِ ليكثرَ عند البيع. فقالت البنتُ : إن عمرَ أمرَ مناديه أن ينادي ألا يشابُ اللبنَ بالماء.. فقالتِ الأمُ: يا ابنتي قومي فانكي بموضعٍ لا يراكِ فيه عمرُ ولا مناديه.. فقالتِ البنتُ المستشعرةُ لرقابةَ الله: أي أماه فأين الله؟ واللهِ ما كنتُ لأطيعَه في الملا، واعصيه في الخلاء.

2- الغلام الراعي:

عن نافع - رحمه الله تعالى - قال : خرجت مع ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - في بعض نواحي المدينة ، ومعه أصحاب له ، فوضعوا سفرة - أي : طعامًا - فمرّ بهم راع .
- فقال له عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - : هلمّ يا راعي ، فأصب من هذه السفرة - يعني : هيا تعال وتناول معنا الطعام - .
- فقال : إنّي صائم .
- فقال له عبد الله - رضي الله تعالى عنهما -: في مثل هذا اليوم الشديد حرّه، وأنت في هذه الشِعاب في آثار هذه الغنم ، وبين الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم .
- فقال الراعي : أبادر أيامي الخالية. فعجب ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما -.
- وقال : هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نجتزرها - نذبحها - ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه ونعطيك ثمنها ....؟
- قال: إنّها ليست لي، إنّها لمولاي- أي : لسيدي ومالك أمري - .
- قال: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب ...؟
فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول : فأين الله ...؟
- قال : فلم يزل ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - يقول : قال : الرّاعي فأين الله ...؟
فلما قدم المدينة ، فبعث إلى سيّده، فاشترى منه الراعي والغنم، وأعتق الراعي ، ووهب له الغنم - رضي الله تعالى عنهما.
تعقيب على القصة: ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أحبّ أن يختبر أمانة الراعي فأعجبه جوابه وقيل: إنّه بكى لقول الراعي وهو رافع إصبعيه إلى السماء فأين الله..؟ وهنا درس عظيم الأثر وهو تنمية الصّلة بالله- تبارك وتعالى- وخشيته في الغيب والشهادة، وغرس روح المراقبة في النفوس.

ولا شكّ أنَّ ذكر الدروس المستفادة من القصة للأبناء يرسخ ملكة المراقبة عندهم، فمثلاً نستفيد من قصة الراعي (أنَّ من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه)، إنّها قاعدة عظيمة لو شربها أطفالنا منذ الصّغر ، من ترك شيئًا لله - يا بني - عوّضه الله خيرًا منه في الدنيا قبل الآخرة ، يا لها من قاعدة - يا أيها الآباء - لو فهمها الأولاد لجنّبتهم الكثير من الحرام والمنكرات في وقت الشباب، ومَن حفظ الله تعالى صغيرًا حفظه الله تعالى كبيرًا.

3- قصة ذبح الطائر:

كان لأحد الشيوخ غلام مقرّب عنده، فسأله التلاميذ: لماذا تُقرِّب زميلنا هذا منك أكثر منا. فأجابهم إجابة عملية.. بأن أعطى كل واحد منهم طائرًا، وقال لهم: كل واحد يذبح هذا الطائر في مكان لا يراه فيه أحد. فكل تلميذ أخذ طائره واختبأ في مكان وذبحه، ورجع الجميع ومعهم الطيور مذبوحة إلا هذا الغلام لم يذبح الطائر. فسأله الشيخ: لماذا لم تذبح الطائر؟ فقال: يا شيخي، لقد قلت لنا كل واحد يذبح الطائر في مكان لا يراه فيه أحد. وكلّما ذهبت إلى مكان أجده معي. فقال: مَن؟ فقال: الله.

وهكذا نذكر لهم قصص المراقبة، ولكن بأسلوب سهل جميل وبسيط، وبطريقة مشوّقة، ومرغبة وجذابة، ثمَّ نذكر لهم الدروس المستفادة من هذه القصص.

لا شك أنَّ هذه الوسائل كفيلة بإذن الله بإحياء خلق المراقبة في نفوس الأبناء، وندرّبهم عليه كثيرًا، ونُذكِّرهم بالله كلِّ مدَّة، ولكن لا بد أن نكون نحن قدوة لأبنائنا قبل كل شيء، حتى تؤتي كلماتنا ثمارها معهم، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا يجوز أن نقول لهم: راقبوا الله واستشعروا أنه يراكم وهو معكم ونحن لا نراقبه.

نسأل الله عزّ وجل أن يحفظ لنا أبناءنا، وأن ينتبهم نباتًا حسناً، وأن يجعلهم من الذين يراقبونه في السر والعلن.. اللهم آمين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …