رأيت غزة (2)-بقلم:د.ديمة طهبوب

الرئيسية » حصاد الفكر » رأيت غزة (2)-بقلم:د.ديمة طهبوب
alt

* لم يسرقوا يا أردوغان
لقد طوفت أخبار رئيس الوزراء التركي أردوغان بين الناس حتى غدا شامة بعدله و استقامته في زمن الظلم و الفساد و انتشرت بين الناس حكايته يوم سئل كيف أصلح أوضاع بلدية اسطنبول بعد سنين من الخراب عندما تولى رئاستها فأجاب: لم أسرق.

ذات المعاني في النزاهة تراها متحققة عندما تزور المجلس التشريعي الفلسطيني فتظن أنك في المكان الخطأ لولا اللافتة فقد اعتدت في دولتك على مكان تغلب عليه الفخامة و الأبهة (دون إنجاز) و اعتدت على أناس يسمعونك معسول الكلام حتى يدركوا غرضهم منك ثم يتنكرون لك فلا تستطيع مخاطبتهم سوى بالمعالي و السعادة و السيادة و العطوفة.
 
أعضاء المجلس التشريعي في غزة حفظة و قراء و حملة أسانيد و مجاهدون و أسرى و مبعدون و علماء وسيرة ذاتية حافلة بكل أنواع المجد الذي لا يجتمع لبشر سوى في مثل بيئتهم ، و هم عند لقياهم يحتضونك بعيونهم قبل أجسادهم و ترى البشر و الترحيب في قسمات وجوههم قبل كلامهم و كأنك ضيفا قد هبطت عليهم من السماء!

ترى عظيم صنعهم و حسن تدبيرهم و حكمة قرارهم في كل مكان من غزة حيث الانجاز و العمل و سلامة الصدر و نظافة اليد و المساءلة .

إنهم لم يسرقوا، و لم يفرطوا ، و لم يخونوا لذلك وثق بهم شعب عظيم كشعب غزة و أسلمهم قيادته.

* الحياة في سبيل الله
في أهل غزة حرص على الحياة و نوعيتها يقابله بذات القدر أو يزيد حرص على الجهاد و الشهادة، يعيشون و قدر الله و وعده نصب عيونهم، و لكنهم لا يمضون أيامهم في الخوف و القلق و الندب.
 
جامعاتهم تتقدم على الجامعات العربية في الدول الآمنة المترفة في البحث العلمي.

يحرصون على الصحة النفسية للمواطنين ففي غزة مراكز للعناية بالأم و الطفل و حضانات و ملاعب و حدائق و مراكز لياقة و تجميل و مشاريع صغيرة و نواد صيفية، و الحكومة تحاول أن توفر للشعب على قدر امكانياتها كل ما يمكنه من الاستمراية و التفوق، في أهل غزة تقرأ ما قاله الغزالي "إني أريد إفهام المؤمنين أن الحياة في سبيل الله كالموت في سبيل الله كلاهما جهاد مقدس".

* المحررات و المؤسسات و المشاريع
بالرغم أن الموت يواجه أهل غزة في كل حين الا أنه لا يأسرهم بل يواجهونه بطاقة الأمل و العمل و البناء و لا يكتفون بالشعارات الرنانة الآنية التي تحرك القلوب بل يحرصون على بناء المؤوسسات التي تستثمر في المستقبل و تُبقي الفكرة خالدة بتحويلها الى عمل يتوارثه الأبناءعن آباءهم.

أخبرونا أننا سنزور المحررات فظننت أنهن الأسيرات اللواتي أطلقن في صفقة وفاء الأحرار لأكتشف أن المحررات هي الاسم الجديد للأراضي الفلسطينية التي كانت فيما سبق مستوطنات (مغتصبات) صهيونية يحرص أهل غزة على الإشارة إليها بهذا الاسم حتى يبقى مفهوم الحرية و المقاومة راسخا في الأذهان مهما طال الزمان، فاللغة حتى اللغة ثائرة في غزة و هم يحرصون أن تكون لغتهم مخبرة عن هويتهم و انجازاتهم.
 
المحررات أراض شاسعة تمتد على الاف الدونمات خرج منها العدو الصهيوني بعد أن خرب البيوت و أحرق الأرض حتى لا تنبت أخضرا و لا يابسا، و لكن البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه و بسواعد أهله الذين حولوا الأرض المحروقة الى جنات غناء في ثلاثة سنين ضمن خطة خمسية لوزارة الزراعة للاكتفاء الذاتي و عدم الاستيراد لا من الداخل و لا من الخارج و شعارهم "عندما يكون أكلك من فأسك فقرارك من رأسك" و هذا شكل آخر من أشكال الحرية و الانعتاق و التنمية المستدامة.  امرأة يحق لها أن تفخر بسيرتها الذاتية فهي أم لعشرة أولاد كلهم متعلمون و كبارهم منخرطون في المقاومة و هي أيضا لها انجازها الشخصي فقد تزوجت في سن مبكرة و أكملت بعدها تعليمها الجامعي في القانون ثم حصلت على الماجستير و هي الان في المراحل النهائية لنيل درجة الدكتوراة..


* آيات الرحمن في جهاد أهل غزة
كنت صغيرة يوم قرأت كتاب الشهيد الدكتور عبد الله عزام رحمه الله "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" و كنت أتعجب من كل قصة و كرامة و أظن أن في الأمر بعض مبالغة للتحفيز على الجهاد، و لكن في غزة عاينت صدق ما قرأته يوما بل و زيادة، بل إن غزة و أهلها كتاب ممتد من الكرامات ما زال تُكتب حروفه حتى هذه اللحظة اخترت منها بعض السطور:
* إن للجنة رائحة لو كنتم تعلمون
باسم جندية أب لثمانية أولاد يعمل في صناعة الأسلحة للمقاومة قصف بيته الجديد في تل الهوا سابقا (تل الإسلام حاليا) فخرج بأولاده و زوجته يريد تأمينهم و زوجته تصرخ سنموت دعنا نختبأ حتى ينتهي القصف فأجابها: لا لن نموت اليوم فإني لا أشم رائحة الجنة....
هي قصة الصحابي أنس بن النضر الذي شم رائحة الجنة دون أحد و لكنها بالنسبة لنا كانت قصة جيل مضى و انقضى و لكنه كان حاضرا بشخوصه و معانيه عند أهل غزة بهذه الدقة و التفاصيل و انتظار النتائج
يوم قصف بيته لم يكن يوم موعد باسم جندية (أبو مالك) مع الشهادة بل كان اليوم الأول من حرب الفرقان حيث كان يشتغل في المعمل فسقط الصاروخ فتفجر بالمعمل بما فيه و من فيه و لم يبقى من أبي مالك حتى أثر إبهامه ليُعرف به..

* اثنتان و سبعون كنة
وحيد أمه الشاب العشريني محمد ضاهر و سندها و ظهرها كان ليعفى لو استعفى فحتى الرسول صلى الله عليه و سلم قال لوحيد والديه أن يجاهد فيهما و يلزمهما و لكن محمد لم يعفي نفسه و كان يعلم أن لأمه ربا لن يضيعها و لن يضيعه.

عندما زرنا بيت عرس الشهيد محمد الذي استشهد بعد إطلاقة لصاروخ باتجاه المستوطنات الاسرائيلية وجدنا أمه تبكي حسرة لأنها لم تزوجه عندما طلب ذلك منها بسبب ضيق ذات اليد فأبكت من حولها و بكينا كلنا ذلك الشاب الوسيم حتى قامت أم محمد الرنتيسي، زوجة الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، و أيقظتنا جميعا من غفلة التحسر على ما كان ليكون من نعيم الدنيا و قالت لأمه: يا حاجة أردت كنة(زوجة ابن) واحدة فأعطاك الله اثنتان و سبعون كنة كلهن من ذوات الجمال و الدلال و الأدب و الفضل...
نحفظ كلنا مكارم الشهيد و أجره و لكن ما نحفظه نظريا يتمثله أهل غزة عمليا و لهذا يصبرون و يضحون و يتاجرون مع الله

* دورة تدريبية لمنظمات الأمم المتحدة النسوية في غزة
المجتمع الدولي ينظر الى المرأة العربية على أنها مظلومة مسحوقة لا إرادة و لا حقوق لها و يفرض علينا قوانينه و معاهداته قسرا بدعوى النهوض بمستوانا، هذه المجتمع الدولي و مؤوسساته يحتاج الى دورة تدريبية في غزة ليرى بأم عينيه كيف تفوقت نساء غزة على نساء العالم بالإرادة و العلم و الشجاعة دون محاربة الرجال و مناكفتهم بل لقد أفسح لها الرجال طواعية لما رأوا من عظيم صنعها و شديد بأسها.
 
من أول وزيرة شؤون المرأة و الاسرة الاستاذة جميلة الشنطي الى عضو المجلس التشريعي هدى نعيم الى استاذات الجامعة الاسلامية بغزة الى مسؤولات وزارة التخطيط الى أمهات الشهداء و زوجاتهم و بناتهم في كل المجالات السياسية و العلمية و الاجتماعية، المتعلمة و الأمية، كلهن قمم و نماذج و أيقونات لما يمكن أن تحققه المرأة مع الحفاظ على دينها و هويتها.

نتعب نحن النساء في الدول المنعمة على أنفسنا تعليما و قراءة و عملا فنجد أن كل ما فعلناه تلخصه نساء غزة بكلمة و موقف، فإمراة المقال غير امرأة الفعل و نساء غزة كلهن جنود في الميدان يسابقن الرجال الى كل خير و نضال بدأن من سرير أطفالهن الى مواقع القيادة العليا.
 
* عشرة و دكتوراة
لا أستطيع، تعبت، مللت، جسمي، من سيربي، من سينفق، 2 3 4 نعمة و زيادة...هذا ما نسمعه على لسان معظم الأمهات في دولنا العربية تذرعا بعدم الرغبة في الانجاب و الاقتصار على عدد قليل من الأبناء و هذا بالطبع ما يرضي الأمم المتحدة التي تسعى لتقليل أعداد المسلمين و لا تنتهج ذات السياسات فيما يتعلق بالعدو الصهيوني الذي يعطي مكافاءات على زيادة الانجاب.

في غزة هناك حكاية أخرى و انجاز آخر فالأعداد الصغيرة غير معترف بها في مجال الانجاب الذي يعتبرونه سلاحا لمواجهة التصفية الممنهجة للشعب من قبل العدو الصهيوني و مددا جهاديا و استثمارا في مستقبل الوطن
في غزة قابلت امرأة يحق لها أن تفخر بسيرتها الذاتية فهي أم لعشرة أولاد كلهم متعلمون و كبارهم منخرطون في المقاومة و هي أيضا لها انجازها الشخصي فقد تزوجت في سن مبكرة و أكملت بعدها تعليمها الجامعي في القانون ثم حصلت على الماجستير و هي الان في المراحل النهائية لنيل درجة الدكتوراة..
أنحن نساء و هن نساء؟!!!
صدق من قال: من صح منه القصد هُدي الى الوسائل
و لنا عود بإذن الله

معلومات الموضوع

الوسوم

  • طهبوب
  • غزة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

    هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …