مفارقة الجماعة.. أحد أسباب الفتور

الرئيسية » بصائر تربوية » مفارقة الجماعة.. أحد أسباب الفتور
alt

الفتور هو الكسل والتراخي والتباطؤ بعد الجدّ والنشاط والحيوية، ويصيب بعض العاملين في حقل الدعوة من حين لآخر،  وأدناه الكسل أو التراخي أو التباطؤ، وأعلاه الانقطاع أو السكون، وهو بالطبع  من الأمراض المستمر التي تلازم الداعية؛ مثل الإيمان الذي يزيد وينقص لدى المسلم.

الفتور في القرآن والسنة:

تحدّث القرآن عن الفتور في آيات عدة ومنها: قول الله تعالى مثنيًا على الملائكة: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (20)}(الأنبياء) أي لا يضعفون ولا يسأمون، وجاء في آية مشابهة: {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38)}(فصلت) والسأم هو الفتور.

وفي السنة أحاديث كثيرة منها ما رواه أنس حيث قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال: "ما هذا الحبل" فقيل يا رسول الله هذه حمنة بنت جحش تصلي فإذا أعيت تعلقت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتصل ما أطاقت فإذا أعيت فلتجلس"، قال زياد فقال ما هذا فقالوا لزينب تصلّي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال حلوه فقال : ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليقعد.

أسبابه

هي تلك الطرق الموصلة إلى ضعف إيمان العبد بعد أن كان قويًا، وهي الوسائل التي كسرت صلابة بنيان الدين في قلبه حتى أردته هزيلاً واهنًا، تتلاعب به الشهوات، وتتقاذفه أمواجها، وتثقل عليه كل ما يتصل بدينه وعبادته .
(‍1) الغلو والتشدد في الدين: بالانهماك في الطاعات وحرمان البدن حقه من الرّاحة والطيّبات، فإنَّ هذا من شأنه أن يؤدِّي إلى الضعف أو السّأم والملل، وقد ينتقل العامل من الإفراط إلى التفريط ومن التشدّد إلى التسيّب.

2- السّرف ومجاوزة الحدّ في تعاطي المباحات: فإنَّ هذا من شأنه أن يؤدّي إلى السمنة وضخامة البدن، وسيطرة الشهوات، وبالتالي التثاقل، والكسل والتراخي، إن لم يكن الانقطاع والقعود.

3- مفارقة الجماعة، وإيثار حياة العزلة والتفرد: ذلك أنَّ الطريق طويلة الأبعاد، متعدّدة المراحل، كثيرة العقبات في حاجة إلى تجديد، فإذا خاضها المسلم مع الجماعة، وجد نفسه دومًا متجدّد النشاط، قويّ الإرادة، صادق العزيمة، أمّا إذا شذّ عن الجماعة وفارقها، فإنَّه سيفقد من يجدّد نشاطه ويقوّي إرادته، ويحرك همّته، ويذكره بربه فيسأم ويمل.

4- قلّة تذكر الموت والدار الآخرة: فإنَّ ذلك من شأنه أن يؤدّي إلى فتور الإرادة، وضعف العزيمة، وبطء النشاط والحركة، بل قد يؤدّي إلى الوقوف والانقطاع.

آثاره

وللفتور آثار ضارة، ومهلكة سواء على العاملين في الدَّعوة إلى الله أو في العمل الإسلامي نفسه، ومنها قلّة رصيدهم- على الأقل- من الطاعات، وربما قبض أحدهم وهو فاتر كسلان، فيلقى الله مقصرًا مفرطًا، لذا كان من دعائه صلّى الله عليه وسلّم: "اللّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"، وكان من بشرياته لأمته: "إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله، قيل كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه".

علاجه

ولما كان الفتور يؤدّي إلى الآثار والمخاطر التي ذكرنا لزم الاحتراز والتطهر منه على النحو التالي:

1- البعد عن المعاصي والسيّئات كبيرها وصغيرها، فإنَّها نار تحرق القلوب، وتستوجب غضب الله، ومَن غضب عليه ربّه، فقد خسر خسرانًا مبينا.

2- ترصد الأوقات الفاضلة والعمل على إحيائها بالطاعات، فإنَّ هذا ممَّا ينشّط النفوس، ويقوى الإرادات، يقول صلى الله عليه وسلم: "... فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".

3- دفن النفس في أحضان الجماعة، وعدم اعتزالها أو الشذوذ عنها بحال من الأحوال، وحسبنا قوله صلى الله عليه وسلم: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب"، "يد الله مع الجماعة"، وقول علي رضي الله عنه: "كدر الجماعة خير من صفو الفرد".
4- دوام النظر والمطالعة في كتب السير
ة والتاريخ والتراجم، فإنها حافلة بكثير من أخبار العاملين المجاهدين، أصحاب العزائم القوية والإرادات الصادقة التي تُسَرِّي عن النفس وتسليها، وتولد فيها حب الاقتداء والتأسي، وصدق الله سبحانه وتعالى الذي يقول: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ}(يوسف: من الآية 111).

5- تذكر الموت وما بعده من سؤال القبر وظلمته ووحشته، والبعث والحشر... إلخ، فإنَّ هذا ممَّا يوقظ النفس من نومها، ويوقفها من رقدتها، وينبهها من غفلتها، فتنشط وتتابع السير، وخير وسيلة لتذكر الموت الذهاب إلى القبور ولو مرة كل أسبوع، وزيارتها للاعتبار بأحوال أهلها فقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها عبرة".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …