إنّها المهارة الكبرى ..

الرئيسية » بصائر تربوية » إنّها المهارة الكبرى ..
alt

كثيراً ما شاهدنا ونشاهد إعلانات طرقية أو مرئية أو على الشبكة العنكبوتية تدعونا إلى اكتسابات مهارات جديدة، وفي ثنايا تلك الإعلانات  يظهر أنَّ لكلِّ اختصاص من اختصاصات الحياة المتنوعة مهارة أو مهارات عديدة، ينبغي على صاحب الاختصاص إتقانها واكتسابها حتّى يستطيع الإبداع والتميّز في اختصاصه، والنجاح في أداء عمله والحصول على أفضل النتائج .

إنَّ أيَّة مهارة من تلك المهارات التي توضع الإعلانات  لجذب زبائنها، وتؤسّس  لها الدورات التدريبية ومراكز البحث قائمة بالأساس على فن التعامل مع النَّاس، هذا الفن الذي وضع أصوله ومبادئه خيرُ الخلق محمَّد صلَّى الله عليه وسلّم، وأرشد أمَّته جمعاء، وحملة الدَّعوة إلى الله على وجه الخصوص إلى تحصيله وتحقيقه، إذ لا مفرّ  للداعية أو المربّي من التعامل مع النَّاس على اختلاف طبائعهم وشرائحهم.
هذا الفن الذي وضع أصوله ومبادئه خيرُ الخلق محمَّد صلَّى الله عليه وسلّم، وأرشد أمَّته جمعاء، وحملة الدَّعوة إلى الله على وجه الخصوص إلى تحصيله وتحقيقه
وعلى الرَّغم من تعدّد  مهارات الاتصال والتعامل مع الآخرين في عصرنا، إلاَّ أنَّ هناك مهارة كبرى، وأصلاً أصيلاً، وقاعدة كبرى تبنى عليها قواعد التعامل الأخرى، إنَّها مهارة .. وخالق النَّاس بخلق حسن ..

أسَّس لهذه المهارة رسولنا الكريم عليه الصَّلاة والسّلام حين قال ناصحاً وموجّهاً ومرشداً:

((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيّئة الحسنة تمحها، وخالق النَّاس بخلق حسن)).

روى هذا الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم صحابيَّان جليلان، هما : معاذُ بن جبل، وأبو ذر الغفاري، وقد كانا رضي الله عنهما مثالاً لإتقان هذه المهارة الكبرى، فالأوّل كان أعلم النَّاس بالحلال والحرام،  وسفير الرّسول عليه الصَّلاة والسَّلام إلى اليمن، وسفير الخليفة الفاروق إلى فلسطين يعلّم القرآن والفقه والسلوك، قال جابر بن عبد الله: (كان معاذ بن جبل من أحسن الناس وجها وأحسنه خلقا وأسمحه كفاً).  وقال فروة الأشجعي عن ابن مسعود : (إنَّ معاذ بن جبل كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين . فقلت له : إنما قال الله : {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله} (النحل) . فأعاد قوله: إنَّ معاذاً كان أمة قانتا لله . وقال : ما الأمة وما القانت ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال: (الأمَّة الذي يعلم الخير ويؤتم به والقانت المطيع لله عزَّ وجل، وكذلك كان معاذ معلّماً للخير، مطيعا لله عزَّ وجل ولرسوله).

أمَّا أبو ذر الغفاري، فاسمه جندب بن جنادة، وكان مثالاً للزهد بشهادة رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم : ((أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم)).

لقد ركّز الإسلام على هذه القاعدة أيّما تركيز، بل مدح نبيّه محمَّداً صلَّى الله عليه وسلَّم بهذه الصِّفة، فقال الله تعالى : {وإنَّك لعلى خلق عظيم}،  وقالت عائشة رضي الله عنها: (( كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم خلقه القرآن)).

وقد عدَّ الله في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى ، بل بدأ بذلك في قوله: { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . (آل عمران:133-134).

ويرشدنا  الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام في أحاديث أخرى إلى هذه المهارة الكبرى، فيقول: (( أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق))، ويقول: ((إنَّ  أحبّكم إليَّ وأقربكم منّي مجلساً ويم القيامة أحاسنكم أخلاقاً))، ويقول: ((أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)). (أخرجه أبو داود وأحمد). وسئل عليه الصَّلاة والسَّلام : يا رسولَ الله ، ما أفضلُ ما أُعطي المرءُ المسلمُ ؟ قال : ((الخُلق الحَسَنُ)) . (أخرجه ابن ماجه وأحمد والنسائي). وأخبر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلّم  أنَّ صاحبَ الخلق الحسن يَبلُغُ بِخلقِه درجةَ الصَّائم القائم لئلا يشتغِلَ المريدُ للتقوى عن حسن الخلق بالصَّوم والصَّلاة ، ويَظُنُّ أنَّ ذلك يقطعه عن فضلهما، فقال: (( إنَّ المؤمن ليُدرِكَ بحُسْنِ خُلُقه درجاتِ الصَّائم القائم )) . (أخرجه وأبو داود وأحمد).

ويصف فلانة كانت تصوم النَّهار  وتقوم الليل وهي سيّئة الخلق، تؤذي جيرانها بلسانها؛ بأن : ((لا خير فيها، هي من أهل النَّار)). كما يروي ذلك الصَّحابي الجليل أبو ذر الغفاري.

وقد حثَّ الصَّحابة والصَّالحون على حسن الخلق؛  فقال عبد الله بن عبَّاس: (لكلِّ بنيان أساس، وأساسُ الإسلام حسن الخلق). وقال يحي بن معاذ: (في سَعة الأخلاق كنوز الأرزاق). وقال وهب بن منبّه:  (مثل سيّء الخلق كمثل الفخارة المكسورة ،لا ترقع ولا تعاد طيناً).
على الرَّغم من تعدّد  مهارات الاتصال والتعامل مع الآخرين في عصرنا، إلاَّ أنَّ هناك مهارة كبرى، وأصلاً أصيلاً، وقاعدة كبرى تبنى عليها قواعد التعامل الأخرى، إنَّها مهارة .. وخالق النَّاس بخلق حسن
معالم حسن الخلق ..

جَمَعَ بعضُ السَّلف علاماتِ حسن الخلق، فقالوا: (أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الإصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام كثير العمل، قليل الفضول وقوراً، صبوراً، حليماً، رفيقاً، لاعجولاً ولا حقوداً، ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشَّاشاً هشاشاً، يحب في الله ويبغض في الله، ويرضى في الله ويغضب لله).

عن الحسن قال: (حُسنُ الخلق : الكرمُ والبذلة والاحتمالُ). وعن الشعبي قال: (حسن الخلق : البذلة والعطية والبِشرُ الحسن). وعن ابن المبارك قال:  (هو بسطُ الوجه، وبذلُ المعروف ، وكفُّ الأذى).
وقال الإمام أحمد : (حُسنُ الخلق أنْ تحتملَ ما يكونُ من الناس). وقال إسحاق بن راهويه: (هو بسطُ الوجهِ ، وأنْ لا تغضب). وقال بعضُ أهل العلم :  (حُسنُ الخلق : كظمُ الغيظِ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إلاَّ للمبتدع والفاجر، والعفوُ عن الزَّالين إلا تأديباً أو إقامة حدٍّ وكفُّ الأذى عن كلّ مسلم أو معاهَدٍ إلا تغييرَ منكر أو أخذاً بمظلمةٍ لمظلومٍ من غير تعدٍّ).

وسئل سلامُ بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد :

تراهُ إذا ما جئته متهلِّلاً           ولَوْ لَم يَكُنْ في كَفِّه غيرُ رُوحِهِ
هُو البَحرُ مِنْ أيِّ النَّواحِي أتيتَهُ      كأنَّك تُعطيه الذي أنت سائِلُه
لَجَادَ بِها فَليَتَّق الله سائِلُه            فَلُجَّتُه المعروفُ والجُودُ سَاحِلُه

فهذا هو حسن الخلق، فأين نحن منه ؟ في أنفسنا ومعاملاتنا ؟ في أسرنا ؟  في دعوتنا ؟ ومهما قيل عن مهارات التواصل، فإنَّ حسن الخلق هو أساسها، وهو المهارة الكبرى. اللهمَّ حسِّن أخلاقنا، واهدنا لأحسنها لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنَّا سيّئها لا يصرف عنّا سيّئها إلاَّ أنت. اللهم آمين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

مصطلح “تأثير الفراشة” ودوره في تغيير مسار الحياة

عندما سقط مسمار من حِدوة الحصان، سقطت الحِدوة من ساق الحصان، فتباطأ الحصان في سيره، …