الإعجاب بالنفس .. آفة يجب التخلص منها

الرئيسية » بصائر تربوية » الإعجاب بالنفس .. آفة يجب التخلص منها
alt

إنَّ الإعجاب بالنفس هو السرور أو الفرح بالنفس وبما يصدر عنها من أقوال أو أعمال من غير تعدٍّ أو تجاوز إلى الآخرين من الناس، سواء أكانت هذه الأقوال وتلك الأعمال خيرًا أو شرًّا محمودة أو غير محمودة، فإن كان هناك تعدٍّ أو تجاوز إلى الآخرين من الناس باحتقار واستصغار ما يصدر عنهم، فهو الغرور أو شدة الإعجاب، وإن كان هناك تعدٍّ أو تجاوز إلى الآخرين من النَّاس باحتقارهم في أشخاصهم وذواتهم والترفع عليهم فهو التكبر أو شدَّة الإعجاب.

أسباب الإعجاب بالنفس:

1- الإطراء والمدح في الوجه دون مراعاة للآداب الشرعية المتعلقة بذلك، ولهذا حذّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم منه في الحديث الذي جاء عن عبد الرَّحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: مدح رجل رجلاً عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: "ويحك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك" مرارًا.

2- صحبة نفرٍ من ذوي الإعجاب بأنفسهم؛ لأنَّ الإنسان شديد المحاكاة والتأثر بصاحبه، لا سيّما إذا كان هذا الصَّاحب قويَّ الشخصية ذا خبرة ودراية بالحياة.

3- الصَّدارة للعمل قبل النضج وكمال التربية، وذلك لأنَّ ظروف العمل الإسلامي قد تفرض أن يتصدر بعض العاملين للعمل قبل أن يستوي عودهم، وقبل أن تكتمل شخصيتهم، وحينئذ يأتي الشيطان فيلقي في روعهم أنهم ما تصدروا للعمل، وما وضعوا في الموقع الذي هم فيه الآن إلاَّ لما يحملون من مؤهلات بما لديهم من مواهب وإمكانات، وقد ينطلي عليهم لجهلهم بمكائد الشيطان وحيله مثل هذا الإلقاء، فيصوّرونه حقيقة ويرفعون من قدر نفوسهم فوق ما تستحق حتى يكون الإعجاب بها، والعياذ بالله.

4- الغفلة أو الجهل بحقيقة النفس، ذلك أنَّ الإنسان إذا غفل أو جهل حقيقة نفسه، وأنَّها من ماء مهين خرج من مخرج البول، وأنَّ النقص دائمًا طبيعتها وسمتها، وأنَّ مردّها أن تلقى في التراب، فتصير جيفة منتنة، تنفر من رائحتها جميع الكائنات، إذا غفل الإنسان أو جهل ذلك كلّه ربما خطر بباله أنّه شيء، ويقوى الشيطان فيه هذا الخاطر حتى يصير معجبًا بنفسه.

5- عراقة النسب أو شرف الأصل، ذلك أنَّ بعض العاملين قد يكون سليل بيت عريق النسب، أو شريف الأصل، وربما حمله ذلك على استحسان نفسه وما يصدر عنها، ناسيًا أو متناسيًا أن النسب أو الأصل لا يقدّم ولا يؤخّر، بل المعوّل عليه إنّما هو العمل المقرون بالجهد والعرق.

وإذ يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أنزل عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)}.(الشعراء)، "يا معشر قريش: اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب: لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا"

ثالثًا: آثار الإعجاب بالنفس:

1- الوقوع في شراك الغرور بل والتكبر: أي أنَّ الأثر الأوّل للإعجاب بالنفس، إنَّما هو الوقوع في شراك الغرور بل والتكبّر، ذلك أنَّ المعجب بنفسه كثيرًا ما يؤدّي به الإعجاب إلى أن يهمل نفسه، ويلغيها من التفتيش والمحاسبة، وبمرور الزمن يستفحل الداء، ويتحول إلى احتقار واستصغار ما يصدر عن الآخرين، وذلك هو الغرور، أو يتحوّل إلى الترفع عن الآخرين واحتقارهم في ذواتهم وأشخاصهم وذلك هو التكبر.

2- النفور والكراهية من الآخرين، ذلك أنَّ المعجب بنفسه قد عرَّض نفسه بصنيعه هذا لبغض الله له، ومن أبغضه الله أبغضه أهل السموات، وبالتالي يوضع له البغض في الأرض، فترى الناس ينفرون منه، ويكرهونه ولا يطيقون رؤيته بل ولا سماع صوته، جاء في الحديث : "إنَّ الله إذا أحب عبدًا، دعا جبريل فقال: إنّي أحب فلانًا فأحبَّه، قال: فيحبه جبريل، ثمَّ ينادي في السماء فيقول: إنَّ الله يحّب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضْه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء، إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض".

3- توقف أو على الأقل بطء كسب الأنصار والأصدقاء، نظرًا لنفور الناس وكراهيتهم للعاملين المعجبين بأنفسهم، وهذا فيه ما فيه من طول الطريق وكثرة التكاليف.

رابعًا: مظاهر الإعجاب بالنفس :

1- تزكية النفس: أي أنَّ المظهر الأوّل للإعجاب بالنفس، إنما هو دوام التزكية للنفس والثناء عليها، والعرف من قيمتها، مع نسيان أو تناسي قول الله عز وجل (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى (32))(النجم).

2- الاستعصاء على النصيحة، بل والنفور منها، مع أنه لا خير في قوم لا يتناصحون ولا يقبلون النصيحة .

3- الفرح بسماع عيوب الآخرين لا سيّما أقرانه حتى قال الفضيل بن عياض- رحمه الله- (إن من علامة المنافق: أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه).

خامسًا: الطريق لعلاج الإعجاب بالنفس:

1- التذكير دائمًا بحقيقة الدنيا والآخرة، وذلك بأن يعرف المعجب بنفسه أنَّ الدنيا مزرعة للآخرة ، وأنَّه مهما طال عمرها فإنها إلى زوال، وأن الآخرة إنما هي الباقية، وأنها هي دار القرار، إذ إنَّ مثل هذا التذكير يحمل الإنسان على أن يعدل من سلوكه قبل أن تنتهي الحياة، وقبل أن تضيع الفرصة، ويفوت الأوان .

2- التفكّر في الموت وما بعده من منازل، من شدائد وأهوال، فإن ذلك كفيل باقتلاع الإعجاب من النفس، بل وتحصينها ضده، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

3- دوام الاستماع أو النظر في كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنة النبي- صلى الله عليه وسلم- فإنَّ فيهما البيان الشافي، والتحليل الدقيق، وبهما يتخلص الإنسان- إن كان موضوعيًّا وصادقًا مع نفسه- من كل داء.

4- الاطّلاع على أحوال المرضى وأصحاب العاهات بل والموتى، لاسيما في وقت غسلهم وتكفينهم ودفنهم، ثمَّ زيارة القبور بين الحين والحين، والتفكر في أحوال أهلها ومصيرهم، فإنَّ ذلك يحرك الإنسان من داخله، ويحمله على اقتلاع العجب ونحوه من كل العلل والأمراض النفسية أو القلبية.

5- الانقطاع عن صحبة المعجبين بأنفسهم، مع الارتماء في أحضان المتواضعين العارفين أقدارهم ومكانتهم، فإنَّ ذلك يساعد في التخلص بل وفي التوقي من الإعجاب بالنفس.

6- تعريض النفس بين الحين والحين لبعض المواقف التي تقتل كبرياءها وتضعها في موضعها الصَّحيح، كأن يقوم صاحبها بخدمة إخوانه الذين هم أدنى منه في المرتبة، أو أن يقوم بشراء طعامه من السوق، وحمل أمتعته بنفسه، على نحو ما أثر عن كثير من السلف.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

وصفة حب دائمة للزوجين

إن من علامات حسن الفهم عند الأزواج البقاء لفترات طويلة محافظين على الأُلفة والحب بينهم …