المحاسبة والمسؤوليَّة في العمل العام في الإسلام (2-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » المحاسبة والمسؤوليَّة في العمل العام في الإسلام (2-2)

أشرنا في الجزء الأول من المقال إلى ما يتميَّز به الإسلام عن غيره من الشرائع السماوية والقوانين والتشريعات الوضعيَّة الإنسانيَّة بعدد من الأمور بينها  السِّمات التي حتمتها كون رسالة الإسلام، هي الرسالة الخاتمة، أن تتصف بالشمول والعموم، والصّلاحية للتطبيق في كل زمان ومكان، باعتبار  أنها سوف تظل شرعة الله ومنهاجه للناس في الأرض حتى يوم الحساب.

كما أشرنا إلى ماهية الحكم الرشيد و طبيعة الممارسة التي ارتبطت بمراحل طويلة من دولة الملك العضود والملك الجبري التي استمرت لمئات السنين في دولة الخلافة الإسلاميَّة، والتي كان الحاكم  فيها في الغالب، خارج نطاق المسؤوليَّة، ولكنه كان أيضًا لا يحكم بما أنزل الله عزّ وجل.

 ونتناول في الجزء الثاني من المقال المحاسبة والمسئولية في الإسلام

المحاسبة والمسئوليَّة في الإسلام:

خلق الإنسان لأجل أداء مهام بعينها في الحياة الدنيا، ومن ثَمَّ فهو مُكلَّف من قٍبل خالقه، الله عزّ وجل، وهذا التكليف تترتب عليه المحاسبة، مع قدرة الإنسان على أداء ما كُلِّف به، وتوفير الخالق سبحانه وتعالى للإنسان، مختلف الأسباب التي يمكنه بها أداء هذا التكليف؛ حتى يستطيع محاسبته على ما قام به فيما كُلِّف، ومكافأة المجيدين، وعقاب المقصرين يوم القيامة.

وآيات الحساب يوم القيامة في القرآن الكريم كثيرة.. يقول تعالى على سبيل المثال: "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12)" [سورة "الانشقاق"].

والمحاسبة نوعان، محاسبة الفرد لنفسه، ومحاسبة الرب لعبده، يقول تعالى في الأولى: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون (135)" [سورة "آل عمران"]، وفي الثانية يقول عزّ وجل: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46)" [سورة "فُصِّلَتْ"].

وفي محاسبة الرب لعبده هناك شقان، الأوّل: هو سؤال الرب للعبد عن حقوق الله عز وجل عليه. والثاني: سؤال الرب للعبد عن التزامه تجاه البشر الآخرين نتيجة للمعاملات فيما بين كل منهم والآخر.

وفي سورة "التوبة" آية توضح هذه المعاني، فيقول الله تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)".

إذن، الله تعالى سوف يحاسب الإنسان على حقوق الآخرين عليه، ويقول الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في ذلك: "الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه وعَمِلَ لما بعد الموت والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله" [أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس].

ولقد كان هذا الأمر حاضرًا في ذهنيَّة وفكر حكام المسلمين في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فأول ما خاطب به أبو بكر الصديق "رضي الله عنه" المسلمين في خطاب التكليف، هو: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

فللحاكم الطاعة ما التزم أمام المسلمين بمنهاج الله تعالى وسنة رسوله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"
فللحاكم الطاعة ما التزم أمام المسلمين بمنهاج الله تعالى وسنة رسوله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، ولن يتم ذلك تقييم ذلك من دون عُنصري المحاسبة والمسئوليَّة، بناء على شفافية الحاكم في كل أمور الحكم، أمام شعبه.

المزيد في ذلك من سيرة عمر بن الخطاب "رضي اللهُ عنه"، فهو صاحب مقولة "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم"، وهو الذي قال من فوق المنبر: "إذا أصبت فأعينوني، وإذا أخطأت فقوموني"، فقام له رجل من بين الناس يقول له: "والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا"، فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل في أمّة محمَّد ‏"صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" من يُقوِّم عمر بسيفه".

وللفاروق أيضًا واقعة تبرز مسألة الشفافية مع الرعية، التي هي على رأس معايير الحكم الرشيد.. ذات يوم وقف عمر خطيبًا بعد تقسيم بعض الفيء على المسلمين، وكان عمر طويل القامة، وقد ارتدى ثوبًا جديدًا من هذا الفيء، يغطي جسده بأكمله، وهو ما لم يكن نصيب أمير المؤمنين من الفيء ليكفيه لذلك، فقال له أعرابي: "من أين لك ثوبين، ولكل واحد منا ثوب واحد؟".

لم يعنِّفه الفاروق، ولم يتجاهله، ولكن من حسّ المسؤوليَّة لديه، ومن إدراكه أن ذلك من صميم حقوق الرعية على حاكمهم في الإسلام، قال عمر: "أيها المصلون هل فيكم عبد الله بن عمر؟"، ويقصد ابنه، فوقف عبد الله بن عمر "رضي الله عنهما"، وقال: "رأيت أن ثوب أمير المؤمنين قصيرًا عليه فأهديته ثوبي"، وبعدها واصل عمر خطبته!

وها هو عمر بن عبد العزيز "رضي الله عنه" كان يضيئ شمعة من بيت المسلمين، لينظر على ضوئها شئونهم، وعندما كان يكتب أمورًا خاصة به أو يقرأ القرآن الكريم، كان يضيئ شمعة من ماله.

وعمر بن عبد العزيز أيضًا هو من دخلت عليه إحدى بناته تبكي، وكانت طفلة صغيرة آنذاك، وكان يوم عيد للمسلمين، فسألها: ماذا يبكيك؟، قالت: كل الأطفال يرتدون ثيابًا جديدة، وأنا ابنة أمير المؤمنين أرتدي ثوبًا قديمًا، فتأثر عمر لبكائها وذهب إلى خازن بيت المال، وقال له: أتأذن لي أن أصرف راتبي عن الشهر القادم؟، فقال له الخازن: ولمه يا أمير المؤمنين؟، فحكى له عمر ذلك الموقف مع ابنته، فقال له الخازن: لا مانع عندي يا أمير المؤمنين، ولكن بشرط، فقال عمر: وما هو هذا الشرط؟ فقال الخازن: أن تضمن لي أن تبقى حيًّا حتى الشهر القادم، لتعمل بالأجر الذي تريد صرفه مسبقًا.

هنا تركه عمر "رضي اللهُ عنه" وعاد إلى بيته، فسأله أبناؤه: ماذا فعلت يا أبانا؟، قال: أتصبرون وندخل جميعًا الجنة، أم لا تصبرون ويدخل أباكم النار؟، قالوا: نصبر يا أبانا.
هكذا هو الحكم على منهاج النبوة والقرآن الكريم في الإسلام، ولذلك فإنَّه من الأهميَّة بمكان العمل على إبراز ما في ديننا من حداثة، وما فيه من مفردات سبقت عصرنا الحالي بمراحل، وتبيان الفارق ما بين صحيح الإسلام، وما بين مارسات حكام المسلمين، حتى يعلم العالم كله أيّ حضارة عادلة يحملها الإسلام له.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …