مفهوم التنفيذ في فكر الإمام البنا (2-5 )

الرئيسية » بصائر تربوية » مفهوم التنفيذ في فكر الإمام البنا (2-5 )
alt

لماذا اخترنا مصطلح التنفيذ ؟ وما معنى التنفيذ عند الإمام البنا ؟ وهل التنفيذ نهاية أم مرحلة ؟وما الذي أراده الإمام بعد التحقق بمفهوم المعرفة ؟ كما تبيّن لنا أن ثمرة المعرفة بركنيها الفهم والإخلاص هي التنفيذ، ولذلك فالتنفيذ تسبقه مرحلتين : نشر الفكرة بالفهم السليم ، وتكوين الأمَّة بالتربية الصحيحة ، وهو مع ذلك ليس النهاية ، بل يمكننا أن نقول : إنه البداية ، في مواجهة التحديات التي تهدد مرحلة التنفيذ وهي كثيرة.

يقول الإمام البنا : "وأما التدرج والاعتماد على التربية ووضوح الخطوات في طريق الإخوان المسلمين، فذلك لأنهم اعتقدوا أن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث: مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة، وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب ، ثم مرحلة التكوين وتخيُّر الأنصار، وإعداد الجنود ، وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج،وكثيرًا ما تسير هذه المراحل الثلاث جنبًا إلى جنب؛ نظرًا لوحدة الدعوة وقوَّة الارتباط فيها جميعًا، فالداعي يدعو، وهو في الوقت نفسه يتخير ويربي، وهو في الوقت عينه يعمل وينفذ كذلك" (رسالة المؤتمر الخامس).

وقد وضع الإمام في مرحلة التنفيذ قواعد للحماية في مواجهة التحديات ، من الإفراط أو التفريط ، أو الغلو والتساهل ، في توازن رشيق ، ووسطية رائعة ،يقول الإمام البنا : "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)) (الأنفال)، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلاَّبة، ولكن غالبوها واستخدموها، وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد" (رسالة هل نحن قوم عمليون؟!).

ومن أخطر التحديات التي تواجه المنفذون التغيير والإصلاح في المجتمع والدولة ، ولذا يقول الإمام : " قد يكون مفهوماً أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله وتنفيذًا لأحكامه ، وإيصالا لآياته وأحاديث نبيه صلّى الله عليه وسلّم، وأمَّا والحال كما نرى : التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف .

هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا ، ولكنّنا نقرّر به أحكام الإسلام الحنيف . وعلى هذا، فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم ، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قراني فهم جنوده وأنصار هو أعوانه وإن لم يجدوا ، فالحكم من منهاجهم ، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله .

وعلى هذا، فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمَّة على هذا الحال، فلابد من فترة تنشر فيها مبادئ الإسلام وتسود، ويتعلّم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة " .

وقد يقنع البعض أنفسهم بأنهم ما داموا يحملون فكرة الإمام البنا ، فإنهم أحرار عند التنفيذ بالوسائل التي يرونها ، يقول الإمام موضحاً هذا اللبس في مفهوم التنفيذ : " أما وسائلنا العامة ،فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان ، ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح . . ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدَّعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوه التنفيذية، وعلي هذا الأساس سيتقدَّم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية، ونحن واثقون بعون الله من النجاح ما دمنا نبتغي بذلك وجه الله: " وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " (الحج : 4) .

ومن ثمَّ لا يتحقَّق التنفيذ في حياة المجاهد من الإخوان إلاَّ بالتحقق بركني العمل والجهاد:

أولاً : ركن العمل

يقول الإمام : " وأريد بالعمل: ثمرة العلم والإخلاص:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:105).

ثانياً : ركن الجهاد

يقول الإمام : " وأريد بالجهاد:الفريضة الماضية إلى يوم القيامة والمقصود بقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية"، وأول مراتبه إنكار القلب، وأعلاها القتال في سبيل الله، وبين ذلك جهاد اللسان والقلم واليد وكلمة الحق عند السلطان الجائر، ولا تحيا دعوة إلاَّ بالجهاد، وبقدر سمو الدَّعوة وسعة أفقها، تكون عظمة الجهاد في سبيلها، وضخامة الثمن الذي يطلب لتأييدها،وجزالة الثواب للعاملين: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج:78)، وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم: (الجهاد سبيلنا).

معلومات الموضوع

الوسوم

  • البنا
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    الغفلة.. المرض الفتاك

    في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …