ساحل الأشرار

الرئيسية » حصاد الفكر » ساحل الأشرار
alt

ليس عنواناً لفيلم بوليسي أو فيلم هندي طويل تتعاقب فيه أجيال وأجيال ويتصارع فيه الأشرار مع الأخيار، ولكنه عنوان سطع في ذهني بعدما لمحت تلك الوريقة المعلقة فوق مكتبة ذلك المصلى الصغير المنزوي بين تلك الأزقة..

كنت أسابق الزمن وأنا أمارس دور المستكشف لشبكة المواصلات العجيبة في قاهرة المعز، لم أيأس أنني "تشعبطت" على الحافلة الخطأ، ولم أشعر بأدنى حرج من سؤال القوم.. فالكل يسأل، والكل يسبح في ذلك التيار المتدفق من البشر، والأهم من ذلك أنك تجد من يرشدك بكل حماس وود.

غير أني لم أستطع مغالبة مشاعر وأحاسيس لم أعهدها من قبل أوحت لي بأني أستقل مركباً متواضعاً أمخر فيه عباب محيط هادر.. ولا عجب فأنت في "أم الدنيا" وهذا شأنها مع من يحاول سبر أغوارها، وكشف أسرارها.

كان عزائي الوحيد في تأخري القسري أنني وإن ضيعت موعدي إلا أنني ولحسن حظي، لم أضيع صلاة المغرب جماعة بعد أن ظننت لوهلة أن العشاء سيحل علينا ونحن ما نزال في ذلك الباص المحشو حشواً بكافة أصناف البشر دون أن يثني صاحبنا الدلال عن الصراخ بجسمه المتدلي بأكمله تقريباً خارج باب الباص على المارة أن هل من مزيد؟

كان همّي الوحيد بعد نزولي هو السؤال عن أقرب مسجد لأدرك صلاة المغرب فالمغرب غريب كما يقولون، فتبرع أهل الخير –وما أكثرهم – بإرشادي إلى مصلى سارعت إلى الالتحاق في جماعة فيه.. وكانت اللحظة الفارقة بعد الانتهاء من الصلاة، فقد حانت مني التفاتة باتجاه مكتبة المسجد فلمحت وريقة معلقة تحوي نصّاً لحديث شريف.. كان وقتاً مناسباً جداً للاسترواح بكلام الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد تلك الرحلة الشاقة، فما كان منّي إلا أن أمعنت النظر محدقاً ومتمعّناً بمحتواه..

أصابتني رعدة شديدة منه وأحسست بقلبي يخفق بشدة مع كل حرف من حروفه، أعدت قراءته مرات ومرات قبل أن أمد يدي لأستل قلمي وأبحث عن وريقة أكتب عليها نص الحديث، وعجبت بعد ذلك أنني لم أقم بتصويره بعدسة الجوال كما أفعل دائماً مع تلك المواقف مواكبة لما نحن فيه من تطور لا يزيد البعض إلا تأخراً وتخلفاً.. غير أن هول ما يحويه ذلك الحديث قلب كياني وأنساني ما أنا فيه وجعل كل همّي أن أحفظه كي أنقله لكل من أحب وأعرف.. كي أنادي به كل من له قلب وإحساس أو ألقى السمع وهو شهيد.. أحذر به كل من يخاف سوء مطلع وكل من يحسب حساباً لغده وآخرته..

إنه حديث لا يكثر الحديث عنه ولا عن محتواه لأن كثيرين لا يستسيغون معرفة ما ينتظرهم، ولا يريدون أن يحاسبهم أحد على سوء فعالهم وأقوالهم، ولا يقبلون لأيٍّ كان أن ينتقص من "حريتهم" المزعومة التي تتيح لهم التعدي على الغير، وهم أيضاً لا يطيقون أن  ينهاهم أحد عن أذية الخلق بأعمالهم أو ألسنتهم..

إنه حديث لا ينبغي لأحد أن يستثني نفسه منه بتزكيتها أو تنزيهها عن الخطأ كي لا يركن إلى أعماله بديلاً عن رحمة الله عز وجلّ، وكي ترتدع نفسه ولا يفكر أبداً بالتعرض من قريب أو بعيد لمصير مهول مرعب مخيف لمن يقترف جريمة إيذاء الخلق، وما أكثرهم وما أجرأهم على الله وما أغفلهم عمّا أعده الله لهم من مصير بئيس. ما أهونهم على الله إذ يعرضون أنفسهم لغضبه ومقته وعقابه وعذابه، وما أتعسهم وهم يسوقون أنفسهم بأنفسهم إلى ساحل الأشرار..

لحظة أخي القارئ فلست أعني به تلك السواحل التي يرتادها المصطافون ليخففوا عن أنفسهم ويروحوا عنها. ليست سواحلاً يتخففون عندها من كل الأثقال وإن كان في بعضها ما يسترهم وليضاعفوا أثقال أوزارهم.. ليس ذلك الساحل الذي يرتبط بكل المعاصي والآثام التي يقترفها من لا خلاق له ولا مروءة ولا حياء.. إنه ساحل لا يقضي مرتاديه ساعات أو ليالي معدودات عنده ثم يفارقوه..

إنه ليس ساحلاً يتمتع الناس عنده بشمس مشرقة هنية ونسمات رائقة رخيّة وأمواج جميلة ورمال بيضاء ناعمة بمرافق فارهة ومطاعم فاخرة وحياة مترفة ماجنة.

إنه ساحل ويا له من ساحل..

فعن يزيد بن شجرة الرهاوي قال: إن لجهنم لجباباً (أودية)، في كل جب ساحلاً كساحل البحر، فيه هوام وحيات كالبخاتي (الإبل السمان) وعقارب كالبغال الدلم (أي السود) فإذا سأل أهل النار التخفيف قيل: اخرجوا إلى الساحل، فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم وما شاء الله من ذلك فتكشطها، فيرجعون، فيبادرون إلى معظم النيران ويسلط عليهم الجرب، حتى إن أحدهم ليحكّ جلده حتى يبدو العظم، فيقال: يا فلان! هل يؤذيك هذا؟ فيقول: نعم فيقال له: ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين.
المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 3677 خلاصة حكم المحدث: صحيح موقوف

إنه ساحل في قعر من وديان جهنم المظلمة الملتهبة - عياذاً بالله منها – لاشمس فيها ولا قمر، أطباق نار وحفر، "إنها ترمي بشرر"، ظلمات بعضها فوق بعض يحطم بعضها بعضاً، هو ساحل لبحار من النار تسخر وتهزأ من تلك الصهارة التي تتفجر من البراكين الثائرة في أرضنا وقلة حرّها مما تنخلع له قلوبنا، بحار من اللهب تقذف بمن فيها على سواحل مظلمة مخيفة تسكنها العقارب والحيات الضخمة لتنقض عليهم وتزيدهم غمّاً وهمّاً وعذاباً كما في الحديث:

عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (زدناهم عذابا فوق العذاب) قال: زيدوا عقارب؛ أنيابها كالنخل الطوال.
الراوي: - المحدث: الألباني   - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 3678 خلاصة حكم المحدث: صحيح.

ولا عجب أن يسلط عليهم الجرب فلعله من أثر السموم التي تنفثها حيات وعقارب ذلك الساحل فقد جاء في حديث مخيف مماثل:

إن في النار حيات كأمثال أعناق البخت (الإبل)، تلسع إحداهن اللسعة فيجد حرّها سبعين خريفا، وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموكفة تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها أربعين سنة.
الراوي: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 3676 خلاصة حكم المحدث: حسن.

أولئك شرار الخلق وذاك مآلهم والساحل الذي يليق بأمثالهم، إنهم الذين عاشوا خزائن للشر ومفاتيح لها وصمّوا آذانهم عن حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس ناساً مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس ناساً مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه".
الراوي: أنس بن مالك المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 2223 خلاصة حكم المحدث: حسن

إنهم شرار الخلق الذين وبّخهم النبي صلى الله عليه وسلم وكشف حقيقتهم من على منبره الشريف، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله.
المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2032 خلاصة حكم المحدث: حسن.

أطبقت جفناي وأنا أتخيل ذلك الساحل الرهيب الذي أعده الله للذين يؤذون المؤمنين مجرد أذى وإن كان إخافتهم أو ترويعهم كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلما" الراوي: رجال المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 7658خلاصة حكم المحدث: صحيح

ثم إنني فتحتهما على ما تنقله الفضائيات من حصاد دامٍ لمؤمنين يقتلون ويعذبون وينكل بهم وبأطفالهم ونسائهم وأهليهم على مرأى من العالم ومسمع ودون سؤال عن رقيب أو حسيب، فتراءت لي صور أولئك المجرمين والحيات تفتك بهم والعقارب تنهش أجسادهم وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل.. وتمتمت شفتاي: اللهم أجرنا من النار وأدخلنا الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • مصر
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

    هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …