درجة الإحسان .. تبدأ من هنا

الرئيسية » خواطر تربوية » درجة الإحسان .. تبدأ من هنا
alt

في القصة المعروفة عن عبد الله بن دينار، قال : خرجت مع ابن عمر إلى مكة فعرَّسنا – أي: نزلنا آخر الليل-، فانحدر علينا راع من جبل، فقال له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم. قال: بِعني شاة من الغنم. قال: إنِّي مملوك. قال: قل لسيدك أكلها الذئب. قال: فأين الله عزَّ وجل ؟ قال ابن عمر: فأين الله ؟ ثمَّ بكى، ثمَّ اشتراه بعد فأعتقه.

إنَّها مراقبة الله سبحانه وتعالى في جميع أحوالنا، هذه المراقبة تجعلنا نرتقي في مدارج السَّالكين لنصل إلى درجة الإحسان التي عرّفها رسولنا صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله : ((الإحسان أَن تعبدَ الله كأَنّك تراه، فإن لم تَكُن تراه فإنَّه يراك)).

يداوم على مراقبته لربِّه في كلِّ حركاته وسكناته، فيعبده كأنه يراه، محافظاً على حدوده وشرعه، واتباعه لسنة نبيّه صلَّى الله عليه وسلّم وشريعته الغرَّاء،  فيوقن بأنَّ الله معه يتابعه، يراه ويسمع، فيرتقي بإيمانه إلى درجة الإحسان
فالله سبحانه وتعالى اسمه الرّقيب، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}. (النساء :1). وقال سبحانه : {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا}. (الأحزاب :52).

والرَّقيب في اللغة فَعِيلٌ بمعنى فاعل، وهو الموصوف بالمراقبة، فعله رقب يرقب رقابة، والرقابة هي الحراسة والانتظار مع الحذر والترقّب، والله رقيب راصد منتظر حافظ، لا يغيب عنه شيء، ومراقبته لخلقه دائمة في كلِّ زمان، وكاملة في كل مكان، وعلى أفضل حال وأقوى وسيلة، فهو يرى المراقَب ويسمعه بكيفية تليق بجلاله، يرى أحوال العباد ويعلم أقوالهم ويحصى أعمالهم، ولا يخفى عليه شيء من سرائرهم.

قال الإمام القرطبي في كتابه ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) : (رقيب ؛ بمعنى: رَاقِب ، فهو من صفات ذاته، راجعة إلى العلم والسمع والبصر؛ فإنَّ الله تعالى رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان، ورقيب للمبصَرات ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، ورقيب للمسموعات بسمعه المُدرِكِ لكل حركة وكلام ؛ فهو سبحانه رقيب عليها بهذه الصفات، تحت رِقبته الكليات والجزئيات وجميع الخفيات في الأرضين والسماوات، ولا خفي عنده، بل جميع الموجودات كلها على نمطٍ واحدٍ ، في أنها تحت رِقبته التي هي من صفته).
نور يقع في القلب، يريه ذلك النور إنَّه واقف بين يدي ربِّه عزَّ وجل، فيستحي منه في خلواته وجلواته، ويرزق عن ذلك: دوام المراقبة للرقيب
وقال الحلِيميُّ : (وهو الّذي لا يغفل عمَّا خلق ، فيلحقه نقصٌ أو يدخلُ عليه خللٌ من قِبَلِ غفلته عنه). وقال الزُّجاجُ : (الرَّقِيبُ الحافظُ الذي لا يَغِيبُ عنه شَيءٌ ، ومنه قول الله سبحانه وتعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. (ق:18). وقال النَّحاس :  (الرَّقيب الذي علمه محيط بكل شيء).

وورد اسم الله الرّقيب في قوله تعالى عن عيسى عليه السَّلام : {مَا قُلْتُ لهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَليْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَليْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. (المائدة :117).
جماع معنى المراقبة دوام الملاحظة والتوجّه إلى الله ظاهراً وباطناً، فيراقب الله تعالى ويسأله أن يرعاه في مراقبته، لأنَّ الله  عزَّ وجل  قد خصَّ المخلصين بألاّ يكلهم في جميع أحوالهم إلى أحدٍ سواه

ومن دلالات اسم الله القريب،  وآثارها في إيمان وحياة المؤمن، أن  يداوم على مراقبته لربِّه في كلِّ حركاته وسكناته، فيعبده كأنه يراه، محافظاً على حدوده وشرعه، واتباعه لسنة نبيّه صلَّى الله عليه وسلّم وشريعته الغرَّاء،  فيوقن بأنَّ الله معه يتابعه، يراه ويسمع، فيرتقي بإيمانه إلى درجة الإحسان، والمحسن أعلى درجة من المؤمن والمسلم.

وجماع معنى المراقبة دوام الملاحظة والتوجّه إلى الله ظاهراً وباطناً، فيراقب الله تعالى ويسأله أن يرعاه في مراقبته، لأنَّ الله  عزَّ وجل  قد خصَّ المخلصين بألاّ يكلهم في جميع أحوالهم إلى أحدٍ سواه، قال الله تعالى:{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}  (البقرة:257) . وليهم أي: حافظهم، وهو الرقيب عليهم، وهو الموفق لهم.

قال الإمام ابن قيم الجوزية عن الدلالات الإيمانية لاسم الله الرّقيب، وما يولّده من المراقبة الدائمة لله سبحانه : (وهو نور يقع في القلب، يريه ذلك النور إنَّه واقف بين يدي ربِّه عزَّ وجل، فيستحي منه في خلواته وجلواته، ويرزق عن ذلك: دوام المراقبة للرقيب، ودوام التطلع لعليّ الأعلى، حتّى كأنه يراه ويشاهده فوق سماواته، مستوياً على عرشه، ناظراً إلى خلقه، سامعاً لأصواتهم، مشاهداً لبواطنهم ... فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطّى عليه كثيراً من الهموم بالدنيا وما فيها، فهو في وجود والنَّاس في وجود آخر).

{youtube}zY6Zwppc4r0{/youtube}

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف نحقق التوكل الصادق؟

لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …