البيت المسلم .. تحدّيات في الغُربة

الرئيسية » بصائر تربوية » البيت المسلم .. تحدّيات في الغُربة
alt

   كيف  هي الغربة معك ؟
سؤال كثيراً ما  يعرضه الأصحاب و الأحباب والأقارب على كلِّ من قدّر له التغرّب عن أهله ووطنه و مجتمعه ,وليس كلّ سفر غربة, فالمقصود بالغربة هنا العيش في بلاد الغرب غير المسلمة, فكثيرة هي الأسر المسلمة  التي تهاجر أو تنتقل للعيش في بلاد الغرب لأهداف عدَّة, و أول تحدٍّ يواجه هذه الأسر حال وصولها, هو تحدّي الثقافة و المجتمع الجديد, فإمَّا أن تنجح بالتحدِّي وتحافظ على سمتها الإسلامي الراقي,و إمَّا -و العياذ بالله-أن تذوب في هذا المجتمع متناسية سمتها فتضيع هويتها.

فما الذي يجعل هذه الأسرة تنجح في التحدِّي بينما تخفق غيرها ؟
لعلَّ السبب الرئيس الذي قد لا يتنبه له الكثير يكمن في التحضير للسفر والاغتراب, و ما الهدف منه و متى يتوقع الانتهاء من هذه الغربة و العودة للوطن ؟

وعلى الأسرة أن تتحدَّث في هذا الهدف و مدته أمام أفرادها, ليعلم الأبناء أنَّه لابد من عودة للبلاد, فمشكلة عدم تأقلم الأبناء حين العودة من الاغتراب و رفضهم لفكرة العودة نفسها هي أنَّهم صدموا بهذه الفكرة و لم تعرض عليهم من قبل.

فالأصل إشراك الأبناء بخطة الأسرة ليكونوا جزءاً منها, لا أن تطبق عليهم فقط، فتبدأ الصراعات و الآثار السلبية لها, و إن ولد الأبناء في بلاد الغرب، فعلى الأهل تذكيرهم حال وعيهم بأنَّهم عائدون لبلادهم.

أمَّا و قد حدَّدت الأسرة جميعاً أهدافها من الاغتراب و المدَّة المتعلقة بها, فهيا بنا نتناول بعضاً من الأفكار التي تحمي لهذا البيت المبارك هويته الإسلامية، بإذن الله, فينشأ أبناؤها معتزين بدينهم داعين له, يقوى لديهم جهاز المناعة ضد المؤثرات الخارجية والانحرافات الأخلاقية و العقدية.

فمن هذه الأفكار المجرّبة:
1- تلاوة الورد اليومي من القرآن الكريم, و مشاركة الأبناء هذه الجلسة العائلية ليكون القرآن جزءاً أساسياً في يومهم, وحبذا لو كان هناك تنوّع في اختيار مكان الجلسة في كل مرّة, كأن تكون في حديقة البيت أو حتى حديقة المنطقة السكنية.

2- المحافظة على أذكار الصَّباح و المساء يومياً, و هنا أنصح الأمهات والآباء بأن يقوموا بإيصال أبنائهم إلى المدارس بسيارتهم الخاصة ليستثمروا هذا الوقت بقراءة أذكار الصباح بصوت مرتفع بمشاركة الأبناء, وهذه فكرة مجرّبة ناجحة , لها من عميق الأثر على انتماء الأبناء لدينهم و تثبيت العقيدة في نفوسهم ؛ فمن يردِّد كلَّ صباح "رضيت بالله رباً و بالإسلام ديناً و بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلّم نبيّاً ورسولاً" ماذا عساها أن تكون عقيدته. وتجدر الإشارة هنا أنَّ على الوالدين أن يوضحا لأبنائهم ما يصعب من فهم لبعض الكلمات, فيرددون الأذكار و هم على وعي تام بما يقولون.

3- الحرص على التحدث باللغة العربية داخل المنزل,حتى يبقى ارتباط الأبناء بها ارتباطاً وثيقاً, وتعليق ذلك بالأجر العظيم عند الله تعالى.

4- الحفاظ على صلاة الجماعة في البيت, واصطحاب الآباء لأبنائهم الذكور للمسجد أو المركز الإسلامي إن كان متاحاً في مدينتهم.

5- تزيين البيت بالآيات القرآنية و خاصة غرف الأبناء,ويمكن عمل ورشات فنية تشارك بها الأسرة جميعاً لعمل لوحات فنية تتضمن بعض الأخلاق الإسلامية و الأحاديث النبوية أو الأقوال المأثورة التي تحض عليها.فلا ينكر أحد ما للنظر من أثر على النفس,فإذا نظر الطفل هنا وجد شيئاً يذكره بالأخلاق الإسلامية, وإذا نظر هناك رأى ما يرسخ عقيدته, و أنصح أن يكون هناك تجديد دوري لهذه اللوحات كي لا تملها العين و تعتادها.

6- أن يشارك الأبناء بوضع خطة شهرية ثلاثية,تقسم الشهر إلى ثلاثة أجزاء,لكل جزء طابع خاص يتعلق بخلق معيّن يجب أن يتحلوا به، ويترتب عليه لقاء أسري لمناقشته, أو رحلة تتعلق بالموضوع ,وسيكون لمشاركة الأبناء باختيار المواضيع أثر إيجابي في تفاعلهم لإنجاح هذه الخطة.

7- المحافظة على الأدعية المأثورة؛ كدعاء الاستيقاظ و دعاء النوم ودعاء دخول المنزل و السوق وغيرها ,ممَّا يغرس في نفوس الأبناء أنَّ لكلِّ عمل نية يؤجر عليها, ومن اللطيف و المؤثر أن تكتب هذه الأدعية و توضع في الأماكن المناسبة في البيت,وجميل أيضاً أن تكتب بخط الأبناء فيكون لها الأثر الأقوى عليهم.

8- عدم التهاون في متابعة الأبناء لبرامج التلفاز , و إن كانت برامج للأطفال ففيها ما فيها من هدم للأخلاق و العقيدة, فلابد من تمحيص دقيق لما يشاهده الأبناء, و تقديم البديل لهم و أظنه اليوم أصبح متوفراً. ولابد هنا من  الإشارة للأسلوب المتبع في ابعادهم عن هذه البرامج ,أن لا يكون أمراً فحسب دون فهمهم لسبب المنع, بل أن يصلوا مع والديهم إلى أنَّ هذا البرنامج لا يستحق المشاهدة و أنه يعرض أخلاقا سيّئة و مفاهيم خاطئة لا تليق بفهمنا الراقي, فنعطي الأبناء بهذا شعوراً بالحرية والمسؤولية,و قوَّة باتخاذ القرار و ثقة تمنعهم من مشاهدة ما منعوا منه خلسة دون علم أهلهم.

9- العمل على جعل البيت قبلة للمسلمين الموجودين في منطقة سكنهم,بأن تقام دروس و مواعظ في البيت تجمع المسلمين لمناقشة أمور دينهم ,و إن كان أهل البيت ليس لديهم العلم او الأسلوب الذي يؤهلهم لذلك فلا يعدموا الوسيلة بأن يستضيفوا من هو أهل لذلك. و أن يشارك الأبناء في الإعداد لهذا اللقاء المبارك من ترتيب و ضيافة و غيرها ,فالهدف من ذلك إشعارهم بأهمية العمل للدين و غرس فضل مجالس الذكر في فهمهم,و ممارستهم لحسن الضيافة و غيرها من السلوكيات الإسلامية.

10-استثمار المناسبات الاسلامية ,وربط الأبناء بها بإحيائها في المنزل  وتوضيح سبب المناسبة ومكانتها في الدين و مناقشة ما نتعلم منها.

11-الحوار الحوار الحوار,لابد أن لا يغفل الوالدان عن أهمية محاورة أبنائهم بما يجري معهم في المدرسة,فيكونون على علم بما يدور بين أبنائهم و زملائهم و ما يناقشونه في المدرسة و كيف يلعبون ,خاصة إن كان الأبناء في مدارس حكومية تجمع شتى الطلاب. وحتى يؤتي الحوار أكله لابد أن يكون تفاعلياً من الطرفين ,لا أن يكون استجواباً يقلق الأبناء و ينفرهم فيميلون لعدم الحديث أو يخفون عن والديهم ما يحدث معهم.

12-ولعلّي أنهي حديثي بأمر عظيم فأجعله مسك الختام,ألا وهو الدعاء, فكما قال الإمام الشافعي:
أتهزأ بالدعاء و تزدريه         وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطي ولكن     لها أمد و للأمد انقضاء
وما أجمل أن يسمع الأبناء دعاء الوالدين لهم بأن يحفظهم و يحفظ عليهم دينهم و خلقهم, و أن يجعل بيتهم قبلة للمسلمين.
والله أسأل أن يحفظ للمغتربين دينهم و أبناءهم و علمهم و همتهم و أن يجعلهم هداة للحق في غربتهم,و أن يعيدهم لأوطانهم سالمين,إنه وليّ ذلك و القادر عليه.

 

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

مصطلح “تأثير الفراشة” ودوره في تغيير مسار الحياة

عندما سقط مسمار من حِدوة الحصان، سقطت الحِدوة من ساق الحصان، فتباطأ الحصان في سيره، …