التناصح سفينة النَّجاة

الرئيسية » خواطر تربوية » التناصح سفينة النَّجاة
alt

نهى المولى تبارك وتعالى عن إلقائها إلى الأعداء وبذلها وإخلاصها لهم، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ}. (الممتحنة :1). حيث سمَّاها في هذه الآية الكريمة (مودّة)، ومن تخلَّف عن الجهاد لعذر، فلا حرج عليه بشرط أن يكون عذره مبنيَّاً ومؤسّساً عليها في تخلّفه، قال الله تعالى:{ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}. (التوبة :91). ذلك أنَّ المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين، ويتخلّفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله.

وفي سيرة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أنهم بايعوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم على الثبات عليها والعمل بها، فها هو الصحابي الجليل جرير بن عبد الله يقول فيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: (بايعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على إقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكلِّ مسلم). وهي من الحقوق الواجبة على المسلمين فيما بينهم، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم قال: ((حق المؤمن على المؤمن ستُّ، فذكر منها: (( وإذا استنصحك فانصح له)).
إنَّها النصيحة  هذه الكلمة التي يعبَّر بها عن  جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، قال الخطابيُّ: وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع .
وهي الفعل الواجب على كل مسؤول أو مربّ أو داعية، ففي الصَّحيحين عن معقل بن يسار عن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال : ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيَّة ثمَّ لم يُحِطْها بنصيحة إلاَّ لم يدخل الجنة)).

لا يستغني عنها الكبير والصغير والعالم والجاهل والأمير والمأمور والحاكم والمحكوم، وقد ورد عن الحسن أنَّه قال:  كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين رجل كلام في شيء، فقال له رجل:  اتّق الله يا أمير المؤمنين ، فقال له رجل من القوم:  أتقول لأمير المؤمنين: اتّق الله؟ ، فقال له عمر رضي الله عنه:  (دعه فليقلها لي، نعم، ما قال، ثمَّ قال عمر: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم).

فهل أدَّيت يوماً هذا الحق ؟ وهل قبلته بصدر رحب من أي وعاء خرج ؟

إنَّها النصيحة  هذه الكلمة التي يعبَّر بها عن  جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، قال الخطابيُّ: وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع .

إنَّها النَّصيحة التي أخبر النبيّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ الدِّين النَّصيحة، فهي بذلك تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان، وسمَّها ديناً، كما يقول الإمام ابن رجب الحنبلي: (فإنَّ النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يكملُ النُّصحُ لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبَّة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرّب إليه بنوافل الطَّاعات على هذا الوجه، وترك المحرَّمات والمكروهات على هذا الوجه أيضاً).

الدين النصيحة ..

عن تميم الداري أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّم قال: ((الدين النصيحة)). قلنا: لمن ؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعاماهم)). (صحيح مسلم).

قال الإمام الخطابي في شرح هذا الحديث: (النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله الحج عرفة أي عماده ومعظمه عرفة).
كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرّاً حتى قال بعضهم : (من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس النَّاس فإنَّما وبّخه).
فالنصيحة لله تعالى فمعناها منصرفٌ إلى الإيمان به ونفي الشريك عنه وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصح نفسه فالله سبحانه وتعالى غنى عن نصح الناصح. قال ابنُ رجب:  فمعنى النَّصيحة لله سبحانه صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النيَّة في عبادته).

النَّصيحة لكتابه .. فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابه.

النصيحة لرسوله صلَّى الله عليه وسلّم .. فتصديقه على الرِّسالة والإيمان بجميع ما جاء به.

النصيحة لأئمَّة المسلمين ... فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به والمراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممَّن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات.

النصيحة لعامة المسلمين .. وهم من عدا ولاة الأمور فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم.

قال بعضُ أهل العلم : (جماعُ تفسير النصيحة هو عنايةُ القلب للمنصوح له مَنْ كان، وهي على وجهين : أحدهما: فرض ، والآخر نافلة؛ فالنصيحةُ المفترضة لله : هي شدة العناية من الناصح باتباع محبَّة الله في أداء ما افترض ، ومجانبة ما حرَّم. وأما النصيحة التي هي نافلة ، فهي إيثار مَحبته على محبة نفسه ، وذلك أنْ يَعْرِض أمران ، أحدهما لنفسه ، والآخرُ لربه ، فيبدأ بما كان لربه ، ويؤخر ما كان لنفسه ، فهذه جملة تفسير النصيحة لله ، الفرض منه والنافلة).

من آداب  بذل النصيحة ..

سئل ابن المبارك : أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال: النصح لله، وقال معمر: كان يقال: أنصح النَّاس لك منْ خاف الله فيك.
وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرّاً حتى قال بعضهم : (من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس النَّاس فإنَّما وبّخه).
وقال الفضيل بن عياض:  (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعيِّر).
وقال عبد العزيز بن أبي داود: كان منْ كان قبلكم إذا رأى الرّجلُ من أخيه شيئاً يأمره برفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره).
قال أبو العباس بن عطاء: (الموعظة للعوام، والتذكرة للخواص، والنصيحة للإخوان فرض افترضه الله على عقلاء المؤمنين، ولولا ذلك لبطلت السنة و لتعطلت الشريعة).
عن عبد الله بن يسار أنَّ عمرو بن حريث زار الحسن بن علي، فقال له علي بن أبي طالب : يا عمرو، أتزور حسنا وفي النفس ما فيها ؟ قال : نعم يا علي، لست برب قلبي تصرفه حيث شئت. فقال علي : أمَّا إنَّ ذلك لا يمنعني من أن أؤدّي إليك النصيحة؛ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم يقول : (ما من امرئ مسلم يعود مسلماً إلاَّ ابتعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه في أيّ ساعات النهار كان حتى يمسي وأيّ ساعات الليل كان حتى يصبح ) . (صحيح ابن حبَّان).

في شعب الإيمان للبيهقي قال أبو العباس بن عطاء: (الموعظة للعوام، والتذكرة للخواص، والنصيحة للإخوان فرض افترضه الله على عقلاء المؤمنين، ولولا ذلك لبطلت السنة و لتعطلت الشريعة). وكان ذو النون المصري يقول: (ثلاثة من أعلام النصيحة إغمام القلب بمصائب المسلمين، و بذل النصيحة لهم متجرِّعاً لمرارة ظنونهم، وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهلوه و كرهوه).

{youtube}lLO57shuOA8{/youtube}

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الذي قال عند موته: “لقد ظلمني ربي”!!

لقد كتبت حول هذا المعنى من قبل تحت عنوان (الله ليس بظالم)، وقلت إن هناك …