رمضان .. ثورة على النفس

الرئيسية » بصائر تربوية » رمضان .. ثورة على النفس
alt

"لنطلق ثورة التغيير".. شعار رفعه كثير من الراغبين في استقبال رمضان هذا العام بأجواء مختلفة تناسب انتصارات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن، وذلك بعد الثوارت التي أطاحت برؤوس الفساد والاستبداد؛ فقد امتنَّ ربنا تبارك وتعالى على العالم العربي بهذه الثورات لاستعادة ريادته ومجده.. حيث قرر كثيرون استقبال رمضان هذا العام بنفوس جديدة ذاقت طعمَ الكرامة، وتنسَّمت ريح الحرية، وأحسَّت بعزِّ الثورة على الظلم وإزاحة أهله.

في ظل تلك الأجواء فإن رمضان هذا العام بمثابة ثورة جديدة ولكنها ثورة على النفس، فالشهر العظيم نَفْحة عُلْويّة ومنحة ربانيّة يتهيَّأ فيه القلب ليثورَ ضدَّ معاني ظلم النفس وهَضْم الآخرين، يثور مجاهدًا ضد معاني الأثرة والرياء وحبِّ الظهور؛ حتى يستقيم العبد على الخضوع لله وأداء العبادة وفِعْل الخير لعموم الناس.

بداية الطريق

عندما أرادت هذه الشعوب الحياة الكريمة وغيَّرت ما بنفسها ثائرًة ضدَّ مَن كبَّله وأذلَّه؛ استجاب الله عز وجل له (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)، وأزال وطأة الظلم عن الرقاب.. وهذا ليس نهاية المطاف وخاتمة الأهداف، إنما هو بدايةُ عملٍ لبناء أوطان كان المتحكمون فيه مكلفين بتخريبها ونهْبِها بلا رحمة، بدايةُ عملٍ ينجحُ بالإخلاص وينمو بالاستمرار ويُثمر بحُسْن التوكل على الله، بدايةُ عملٍ يقومُ به مَن يؤدِّي الواجباتِ قبلَ السؤال عن الحقوق، مَن يسوق الخيرَ إلى الناس ولا يمُنُّ عليهم به، مَن يَحْمدُ الله على النعمة عند غيره كأنها في حوزته هو، فلا يعرفُ الحِقدَ على أحد ولا يشعر بالكراهية تجاهه.. إنما يتخذ الرحمة بالناس والشفقة عليهم سبيلاً إلى رحمة الله وتأييده، ولا يرى نُمُوَّه بما يكون على الناس من الحق، ولكنْ بما يكونُ عليه للناس من واجبات.

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحبِّ الناس إلى الله، قال: "أحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم للنّاس، وأحبّ الأعمال إلى الله سرور تُدخله على قلب مسلم؛ تقضي عنه دَيْنًا، أو تطرد عنه جوعًا، أو تكشف عنه كربة، ولأَنْ أمشيَ معَ أخٍ في حاجة أحبُّ إليَّ من أنْ أعتكفَ في هذا المسجد شهرًا".. ويقصدُ النبي صلى الله عليه وسلم المسجد النبوي والصلاة فيه بألف صلاة!! وقيل: يا رسول الله، أيُّ الناس أفضل؟ قال: "كلّ مخموم القلبِ صدوقِ اللسان". قالوا: صدوقُ اللسان نعرفه، فما مخمومُ القلب؟ قال: "هو التقيُّ النقيُّ، لا إثم فيه ولا بغْيَ ولا غِلَّ ولا حَسَد".

إن قِوامَ هذا كله قلبٌ ربانيٌّ يَسعُ الخلقَ رحمة وبِرًّا وشفقة وعدلاً.. "ألا إنه في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"، فالصيامُ والقيامُ وتلاوةُ القرآن مع تقييد الشياطين تهيئ للقلب وسائل بناء الإيمان والأخلاق كما يهيئ النور للعين أسباب الرؤية والتمييز، فيتحرك الإنسان وهو يدرك لقدميه موضعَ خَطْوها فيسير ويتقدم.

بناء النفس

إن نفحات هذا الشهر السماوي تسوق للقلب فيوضات من عزة الطاعة؛ ليثور ثورةً تبني النفس من الداخل بناءً يفيض على المجتمع، فنحفظ تماسكَه، ونضحي من أجل استقراره ورفعته، فهو ثورة ضدّ الظلم.. فننصف الناس من أنفسنا ولا نَبْطرُ الحقوق، ثورة ضد الغفلة.. فنعمر الأوقات بذكر الله وشكره وحُسْن عبادته،  ثورة ضد الفتور والكسل.. فنحيي أوقات الله الغالية مناجاة واستغفارًا، ثورة ضد الفساد فلا نشجع الرشوة ولا نسكتُ عن نصرة الحق، ثورة ضد الأثرة.. فنقدم مصلحة المجتمع والوطن على مآرب النفوس ونزغات الأهواء، ثورة من أجل حُسْن الخُلُق، نداوي المرض ونصل الرحم، ونحمل الكَلّ، ونُقْري الضيف، ونَصْدُق الحديث ونرحم الضعفاء، ونعين أهل البلاء

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إياك وأصحاب الورع الكاذب والتدين المغشوش

رُوِيَ أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قد رأى رجلاً مُتماوتاً، فقال له: "لا …