قوة الإرادة … مفتاح الوصول (1-2)

الرئيسية » بصائر للأسرة والمرأة » قوة الإرادة … مفتاح الوصول (1-2)
alt

من السهل علينا نحن بني الإنسان أن نحلم ونتمنى ونتخيل ... وحينها نفرح كثيراً بحلم صار حقيقة وبُغْيـة نالت وصولا ... ونأسف كثيراً على أحلام اندثرت وغايات فُـقدت ورغبات ضَعُفت وخطط مُحكمة نُقضت ومبادئ خارت وقيم تزعزعت وسعي توقف، وأهداف وطموحات تنْـتظر مُريديها. إنه حال من يفقد مفتاح الوصول والإرادة الغلابة الدافعة بصاحبها إلى السّمو الدائم ... فكراً وخلقاً ونجاحاً وإنجازاً لا يخبو أبداً.

الإرادة ... قـرار ذاتي
الإنسان في حياته كربَّان سفينة يختار بنفسه نوعها وحمولتها، ويحدد وجهتها. فتراه يواجه الأمواج المتلاطمة والرياح الشديدة ويتفق في غايته مع الجميع ... ألا وهي الوصول إلى برِّ الأمان بأقل خسارة ممكنة وأكثر ربح ممكن.

فإذا فقد الربَّان مفتاح سفينته، فإنَّه يتيه و يضل طريقه أو يغرق وسط هذا البحر الذي لا يستقر على حال، فأحيانا نراه عاتيا قويا ومرة نراه كبساط هادئ، وحينا آخر يُلقي بجواهره وخيراته ليتلقاها من أراد.

ولا يملك الربَّان مع عدم استقرار حالة البحر هذا إلاَّ أن يكون يقظاً في جميع الحالات، يأخذ الحيطة فلا يغتر بهدوئه فيركن ويسكن، ولا ييأس من شدته فيعجز، وعليه أن يستغل ما يُلقى إليه من خيرات، بل ويبحث عنها ليصل إلى وجهته التي اختارها وحدَّدها.

لذا نجد أنَّ الحفاظ على "مفتاح الوصول" لن يكون إلاَّ بقرار ذاتي صادق من نفس الإنسان الذي يقود سفينة حياته بلا تردد أو تهاون، فيكون دافعه ومحركه ذاتيا، يحمله على تخطي العقبات الكؤود وتجاوز الشدائد العظام وتحقيق المراد أينما كان، ثابت على دربه حتى الوصول. فيُخرج نفسه من بوتقة العجز والحجج الواهية إلى عالم فريد واسع وأرض خصبة تنتظر الحرث والزرع والسقيا. وكما قيل: "إذا انتظرت إلى أن تصبح الرياح والجو مواتيين، فلن تزرع أبدا، ولن تحصد أبدا". ولكم تحتاج أمتنا لهذا الإنسان الذي يملك ذاته ولا تملكه، فيختار لها ما يزيدها شرفاً وكرامة وما يزيد أمته نهضة وحضارة.

الإرادة ... معنى
الإرادة مبدؤها الهم ومنتهاها العزم والهمَّة. وهي قوة الرغبة والحاجة والاختيار التي توجه المرء وتميل به ميلا شديدا نحو قصد معين مع الحكم فيه بأن يفعل أو لا يفعل. فالإرادة إذا رغبة ذاتية يُخطّط لتحقيقها وإحالتها إلى حقيقة، فتخرج وتترجم إلى فعل يتحدّى كل عقبة تقف في طريقه.

الإرادة ... حريــة
لا يخفى علينا أنَّ هناك العديد من التدخلات الخارجية التي قد توجه الإنسان لأن يصوغ منهج وخطة حياته تحت وطأة هذه التدخلات. ومنها الرَّغبات والحظوظ النفسية التي تميل إليها النفس فطريا فيصعب مقاومتها، أو العادات والمعتقدات التي استلهمها المرء من بيئته المحيطة فيصعب تغييرها، أو الظروف التي تدفع الإنسان ليصوغ حياته ضمن أُطُرها. فنبقى عبيدا وأسرى لهذه التدخلات الخارجية التي سمحنا لها أن تتحكم في زمام طريقنا الذي نرغب بأن نرسم معالمه ونحدد وجهته، فتفقد الإنسان جزءاً من حريته التي كرمه الله بها وجعلته عزيزا مكرما مسؤولاً. وصدق علي رضي الله عنه في مقولته: "لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرّاً".. ولهذا كان من نعم الله على الإنسان تفــرّده بالعقل، وجعله أداة اختيار تميز بين الحق والباطل والصواب والخطأ، والتي ينبني عليها حرية الإرادة بالإقبال والميل أو الإعراض والنزوع، إذا فالإرادة ليس عادة ولا معتقد ولا رغبة نفسية ولا أمر مُسَـلَّم به يقول تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.

يقول د. مجدي سعيد: "وقد شاءت إرادة الله -جلت حكمته- أن يجعل من نفسه غيبا غير منظور ولا محسوس بالحواس المادية، لكنه -سبحانه- جعل نفسه مدركا بالعقل المميز، ومستدلا عليه بالمحسوس والمرئى من الآيات، إذ لو كان سبحانه متجسدا بسلطانه، ومتجليا في تجسده ذلك للإنسان لانتفت تلك الحرية ... وقد وضع الله بناء على ذلك قانونا طرديا ذا اتجاهين، مبنيا على إيمان الإنسان به بملء إرادته، ومن ثم التسليم له بالألوهية والربوبية، ومن ثم العبودية له وحده دون سواه؛ إذ كلّما زادت عبودية الإنسان لله، وتسليمه له مع غيبيته وانتفاء الإكراه في الاعتقاد به، ازداد تحرر إرادته من كل ما هو متجسد متألّه من البشر، أو متسلط على النفس من شهوة البطن أو الفرج، أو شهوة الرِّئاسة والجاه والسلطان، أو الطمع أو الشح".

الإرادة ... خطـــة
ولأنَّها مفتاح الوصول فإنَّ لها خطة مبنية على معايير متسلسلة مترابطة تحقق لنا معادلة قوة الإرادة.

قوة الإرادة = تصور الغاية + موازنة الأمور + عزم وتقرير + تحقيق وتنفيذ + مثل أعلى + ثبات واستمرارية

*تصور الغاية:  قيل: "إذا انتظرت إلى أن تصبح الرياح والجو مواتيين، فلن تزرع أبدا، ولن تحصد أبدا". ولكم تحتاج أمتنا لهذا الإنسان الذي يملك ذاته ولا تملكه، فيختار لها ما يزيدها شرفاً وكرامة وما يزيد أمته نهضة وحضارة
يعتمد هذا المعيار على ثلاثة نقاط متصلة، نيَّة صادقة خالصة ورغبة حقيقية مبنية على حب وشوق للهدف وقوة تخيل إيجابية تؤمن بقدرات صاحبها وتدفعه ليعيش مع هدفه ومراده الذي يريد الوصول إليه والمتكرر دائما في مخيلته. وكما يقول ابن القيم: "الكيِّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة، وعلو الهمَّة، وتجريد القصد، وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك، مع التعب الكثير والسفـر الشـاق، فإن العزيمـة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير، ..".

*موازنة الأمور:
تتمثل في البحث عن الأسباب ودراسة الواقع وموازنة القدرات والمفاضلة بين الفرص وتوفير البدائل والوسائل وتهيئة الوضع لتوجيه أفضل للقدرات والطاقات في إطار القيم والمعتقدات، ويكون فيها إعمال للعقل وتفكير عميق ينبني عليه قرار الاختيار، مصحوباً بصمام الأمان وهو استشارة أهل الاختصاص والخبرة الذين يأتمنهم الإنسان.

*عزم وتقرير:
هو إقرار وفصل في الأمر بلا تردد أو تراجع، ومن ثم البدء في إعداد الخطة وتوفير الحاجات اللازمة للشروع في تنفيذ الهدف.

*تحقيق وتنفيذ:
اعتماد حيثيات الخطة النهائية والخروج بها إلى الواقع العملي والبدء في تذليل العقبات وحل المشكلات.

*ثبات واستمرار:
لا يطلق على الإنسان قوي الإرادة إلا إذا وصل إلى مبتغاه واستمر في طريق حياته ينتقي الأهداف والغايات التي حددها وصولا لوجهته سواء أكان على مستوى الفرد ذاته في مجالات حياته المختلفة أو ما يقدمه لغيره ولمجتمعه.

*مثل أعلى:
لا يستغني قوي الإرادة عن مُثل عُلـــيا تستنهض همته دوما وتوجه أعماله وتحثه حثا مستمرا للوصول لغايته وهدفه وقيمه، وهي مختلفة باختلاف الأفراد وتتبدل بتبدل أدوار حياتهم وظروفهم. فالمثل الأعلى للطالب هو النجاح والتفوق، والمثل الأعلى للمريض هو الصحة، والمثل الأعلى للمربي هو الحكمة، والمثل الأعلى لقائد المعركة هو الفوز والمثل الأعلى للمؤمن هو نيل رضا الله.

يقول دبليو : إنَّ ميري – مستكشف الهملايا: "في اللحظة التي يتعهد فيها الإنسان بأن يلتزم تجاه شيء ما، فإن العناية الإلهية تسانده وتؤيده، وتتواجد لمساعدته كل الأشياء التي ما كانت لتتواجد في وقت غير هذا، ويتدفق من قراره هذا سيل كامل من الأحداث، مولداً في صالحه كل أشكال الوقائع واللقاءات غير المتوقعة والمساعدات المادية، وكلّها أشياء ما كان يحلم بأن يصادفها في الطريق".

ولا تكتمل إرادة المؤمن ولا ينال النجاح والوصول إلاَّ إذا اقترنت إرادته بالتوكل على رب الأرض والسماء. يقول تعالى: {... فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين}. (آل عمران:159). فتطمئن النفس إلى مراد ربّها وتتوكل عليه باذلةً الغالي والنفيس من أجل الوصول.
فهلا انتفضت النفوس من سباتها وسمت الهمم نحو أهدافها واستيقظت العقول من سكراتها وتوجهت الروح لبارئها تسأله قرباً ورضواناً وقبولاً ووصولاً.
يا حبذا الجنـــــــة واقترابهـــا طيّبـــة وبارد شرابـهــــــا

مراجع للاستزادة:
الذّكاء وقوة الإرادة - عاطف عماره.
قوَّة الإرادة - يوسف ميخائيل أسعد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

10 أمور لاستغلال رمضان في ظل ظروف الحظر

رمضان لا يعد شهر الصيام والعبادة فحسب بالنسبة للمسلمين، بل هو كذلك الشهر الذي يجتمع …