خواطر رمضانية-بقلم: د. أحمد نوفل

الرئيسية » حصاد الفكر » خواطر رمضانية-بقلم: د. أحمد نوفل
alt

جوانب العظمة من رمضان لا تنتهي،ـ ومهما تحدث المتحدثون وكتب الكاتبون عن معاني رمضان يبقى القصور سمة غالبة على أحاديثهم، وتبقى الكلمات دون القمة الرمضانية السامقة.

وماذا تكتب عن صفوة الله في الأوقات؟ وما تقول عما أودع في هذا الشهر من بركات؟ انه شهر القرآن، تنزل الآيات، وهل تحيط العبارات بكتاب الخلود والمعجزات التي لا تنتهي مهما تمادت الأوقات؟ وقد يظن أن الناس الذين يقولون يبالغون، والحقيقة أنهم مقصرون عن بلوغ السفح لهذا الشموخ العظيم المتمثل في شهر النفحات والتجليات. من هنا أردت في هذه العجالة أن أكتب بعض الخطرات:

* كما يهطل الغيث فيحيي الأرض بعد موتها، تحتاج الروح إلى فصل أو موسم تهطل فيه النفحات على الروح كما تهطل حبات المطر على النبات فيونق وتدب فيه الحياة.. هذا بالضبط هو موسم رمضان، موسم غيث الروح، وحياة الأفئدة والقلوب، وانتعاش المعاني بعد صيف قائظ طويل من الانغماس في الدنيا وأشغالها وشجونها وشؤونها.

* رمضان شهر السعة والرحابة والفسحة والسماحة والندى والتواصل وصيانة شبكة العلاقات الاجتماعية والتعايش. ومعاذ الله أن يكون شهر الضيق والعنت والتعصب والتحيزات، وبينما كنت أقول بعض هذه المعاني التقط أحد الحضور الخيط وقال –وهو من أصل سوري-: ها هم الشيعة والعلويون يتحشدون ضدنا في سوريا على أساس الطائفة، فيتقوون ونحن نرفض التجمع على العصبية المذهبية والطائفية فنضعف، وها هي إيران وحزب الله من منظور طائفي يمدون النظام الإجرامي، وأهل السنة يمدوننا بالكلام، وتكلم بألم وحرقة. فقلت: أخي العكس هو الصحيح، إن من تعصب وتمذهب وتمحور من حول البعد الطائفي هو الخاسر، وإليك المثل: أليس نصر الله كان رمزاً في العالم الإسلامي كله للبطولة والتضحية والفداء والمقاومة والصمود، ثم لما نحى عنه هذه المعاني، وانحاز إلى البعد الطائفي ينصره ظالماً أو ظالماً، فهل اتسعت دائرة شعبيته أم تراجعت ونكصت وتقلصت إلى حد التلاشي؟ لقد خسر وفقد رمزيته وشعبيته. فالتمذهب والتمحور وتمزيق النسيج لا يعود بخير لا على الفرد ولا على التنظيم ولا على مجموع الطائفة، وبالطبع ولا على الوطن والأمة.

ثم إن الطائفة العلوية عقلاء يجب تحيزهم لمعركة العدل والخير والبناء والتقدم والنهضة، والخروج من ربقة عبادة الفرد وطاعته العمياء. إنه يحقق مصالحه على حساب مستقبلهم ويضيع مستقبلهم لحساباته الشخصية ومستقبل أبنائه هو لا طائفته. إن الظلم سوط عذاب يتلظى به الطائفة وكل أبناء الوطن. إنه إن استطاع أن يجند الطائفة فإنه يستطيع حشد أكثر من نصف مليون مقاتل. وستطول المعركة، وتتعقد، وتزداد الخسائر، ويجب علينا أن نفوت عليه هذا.

هذا منطق الدين والعقل والوطنية والمصلحة. ونحن في شهر المصالحة بين فئات المجتمع، والتواصل والمرحمة، فلينعكس هذا على سلوكنا مع أبناء الطوائف المختلفة. وهل تظن أن شيئاً قدّم الإسلام للناس وأدخلهم في دين الله أفواجاً، أفضل من حسن الجوار وحسن التعايش وحسن المعاملة؟! وقد حاول فرعون من قبل أن يحشد شعب مصر ضد موسى ومن آمن معه.ومن أعظم دروس دروس رمضان أن تتحدى قدراتك، وأن تتحدى ذاتك وتنتصر عليها، وأن تكسر رتابة حياتك، وأن تتحدى احتياجاتك وضروراتك، وأن تتحدى مألوفاتك وعاداتك، وهي إذا سيطرت أسرت واستعبدت واستحكمت واستفحلت..

باختصار هكذا أرى روح رمضان.. سماحة وتعايشاً.. وهكذا أرى روح القرآن الذي أنزل في رمضان.. سعة وتعارفاً. لقد لخص القرآن الحياة في التعارف إذ قال: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..)، (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم).

* إيران والمقاومة بعد الأسد، صرح مسؤول إيراني أنه حتى وإن سقط الأسد -وهو قطعاً ساقط بكل المقاييس والمفاهيم- فإن المقاومة الشعبية ستستمر من بعده وتتواصل وتعم كل أرجاء سوريا.
وتعليقنا على هذا: أولاً: إن هذا تدخل سافر في شأن بلد عربي ذي غالبية سنية، ليس بمنطق الطوائف، وإنما بمنطق الواقع والحاصل.. وأين العروبيون الذين يدعمون رئيساً شعوبياً تدعمه دولة هي التي خلقت الشعوبية في التاريخ الإسلامي؟ وثانياً: هذا كلام جميل.. وكلام معسول.. وكلام معقول. ولماذا لم نر منه شيئاً طيلة خمس وأربعين سنة هي سنوات احتلال الجولان على يد القوات الصهيوينة. ولماذا طيلة مرات قصف سوريا على يد القوات الإسرائيلية لم تتحرك المقاومة التي يذكرها الإسرائيليون؟ وثالثاً: إن هذا الكلام تهيئة أجواء، وتمهيد لحرب طائفية تدعمها إيران؛ لتزيد العالم العربي وهناً على وهن، وكما قلنا مراراً يوشك حلف إيراني إسرائيلي أن يولد وسط جعجعة المقاومة والممانعة ومواجهة المشروع الصهيوأمريكي، والإمبريالي الغربي، تحت قعقعة الكلام سترون الحلف المدنس القادم. وكم من مودة تولدت من بعد عداوة هذا إن افترضنا أنه كان ثمة عداوة. وأزعم أن أمريكا والصهيونية تدعمان المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، وإلا فمن الذي سلم السلطة في العراق للمالكي الطائفي الإيراني الولاء؟ أليس الطائفي المالكي كان مطلباً أمريكياً إيرانياً؟ والعرب من بعد الرضا الأمريكي والإيراني يدعمون المالكي.. ثم يحذروننا من التغول الإيراني والمد الشيعي! وعجبي!

* رمضان مدرسة للتحدي، في الصيام مدرسة، وفي مدرسة الصيام نتعلم أعظم الدروس، وما صيام رمضان إلا دورة مكثفة في الصبر. أرأيت إلى الدورة المكثفة التي قضاها موسى مع العبد الصالح في سورة الكهف، كانت دورة من ثلاثة دروس في الصبر. وأعظم ما يتعلمه الإنسان في هذه الحياة الصبر، والصبر ليس مجرد احتمال سلبي، إنه قوة إيجابية فاعلة في التغيير وفي الأخلاق وفي الاحتمال، فالصبر مطلوب في كل خطوة في هذه الحياة، مطلوب للأم، ومطلوب لطالب العلم، ومطلوب بين الشركاء، ومطلوب في كل مفصل في الحياة.. فما يستغنى عنه، إنه في الأخلاق كالملح في الطعام لا يستغنى عنه. وهل للمريض إلا الصبر؟ وهل للمقاتل في الميدان إلا الصبر، وهل النصر إلا الصبر، وكما قالوا: النصر صبر ساعة.

ومن أعظم دروس دروس رمضان أن تتحدى قدراتك، وأن تتحدى ذاتك وتنتصر عليها، وأن تكسر رتابة حياتك، وأن تتحدى احتياجاتك وضروراتك، وأن تتحدى مألوفاتك وعاداتك، وهي إذا سيطرت أسرت واستعبدت واستحكمت واستفحلت.. فكم تصبح العادة غُلاً وقيداً وأصفاداً! فما أحوجك إلى تحرير ذاتك من عاداتك. وكم من أسير لهذه الرقيقة الرهيفة البيضاء: السيجارة، فما أن يحين موعدها حتى تجد الناس مشدودين إليها، يطلبونها مدفوعين مأسورين فاقدي الصبر، معدومي الحيلة. وفي رمضان لا مساومة، فقد تعني السيجارة أن تفقد إيمانك، من هنا يستغني عنها الصائم طيلة النهار، فإذا استغنيت عنها ثلثي النهار، أفما تستطيع إكمال الثلث الباقي؟ وإذا تحررت يوماً فأكمل باقي الأيام، ثم إنك إذا كنت تتخلى عن ضروراتك من طعام وشراب، أفلا تتخلى عن كدوراتك من تدخين و»أرجيلة» ونحوها؟!
أما ذكرتك بمعنى التحدي وضرورة الانتصار على الذات قصة طالوت وجنوده في سورة البقرة؟ عندما قال لهم: (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني..) إلى آخر القصة. إن من لم يستطع الانتصار في تحدي معركة الأمعاء، ولا قصف ولا عنف، أفمثل هذا ينتصر في المعركة مع الأعداء حيث العنف والقصف والنار والرعب؟!

أما تذكرت في رمضان أسرى فلسطين وكيف هزموا الاحتلال في معركة الأمعاء الخاوية معركة الإضراب عن الطعام.
وكأن الأسرى المضربين هم أنجب طلاب مدرسة في رمضان، والعدو يمثل الشيطان الذي صفّد في رمضان وتم قهره بالجوع، ودحْره بالاحتمال حتى اضطر العدو إلى الانحناء للعاصفة، والركوع أمام معركة الجوع.

فما أعظم دروس مدرسة الصيام في رمضان وما تزال تتكشف لنا من معاني الصيام أبعاد، وعبر ومرام وأهداف وحكم وتجليات، والحديث عن رمضان وعن الصيام لا ينتهي.
فالحمد لله على أعظم النعم نعمة الإيمان، وعلى نعمة الصيام في رمضان، وعلى نعمة القرآن الذي أنزل في رمضان، وعلى نعمة الانتصار في معركة تحدي الذات وتحدي الشهوات، ودحر الشيطان، بانتظار أن تنتقل هذه المعاني إلى الميدان في صراعنا مع عدونا الصهيوني الذي عقد الحلف مع الشيطان، فندحره في الميدان، كما دحرنا الشيطان في معركة الجوع والتحدي في رمضان.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الانتخابات مدخلاً لإصلاح البيت الفلسطيني؟!

تداولت الأوساط الفلسطينية بارتياح تطورات الحوار بين فتح وحماس في إسطنبول، التي يبدو أنها قطعت …