من يقطفُ الثمرة ؟

الرئيسية » بصائر تربوية » من يقطفُ الثمرة ؟
alt

يحاول البعض البحث عن حكم الصِّيام المتعدّدة وتخصيص الصَّوم بها، فمنهم من يخصّها بالمنافع الجسمية، وأنَّه يقي من الأمراض والسّقام، ومنهم من يخصّها بالمنافع الاجتماعية، وأنَّه يجعل الغنيَّ يشعر ويذوق ألم الجزع فيعطف على الفقير، ومنهم من يخصّها بجوانب التربية والتزكية، ومنهم من يفردها للأهداف الاقتصادية والمالية، وغير ذلك من حكم الصيام الكثيرة والمتنوعة...

لكن المولى تبارك وتعالى جعل للصَّوم حكمة واحدة تشمل في دلالاتها اللفظية ومعانيها الشاملة كلَّ تلك الحكم، في إعجاز لفظي بديع، فقال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}  (البقرة: 183)،  فالحكمة من الصيام هي التقوى { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

إنَّها التقوى ثمرةُ صيام الأيام المعدودات التي فرضها الله سبحانه على عباده المؤمنين، وأهل التقوى هم أكرم البشر والنَّاس، قال الله تعالى:{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. (الحجرات:13).  وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه: قيل يا رسول الله، من أكرم الناس ؟ قال:  ((أتقاهم)).
والتقوى وصيّة المولى سبحانه إلى الأولين والآخرين { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}. (المؤمنون:53).
إنَّها التقوى ثمرةُ صيام الأيام المعدودات التي فرضها الله سبحانه على عباده المؤمنين، وأهل التقوى هم أكرم البشر والنَّاس

والتقوى كما عرّفها بعضُ العلماء بأنَّها اجتناب عذاب الله بفعل المأمور وترك المحظور. وهي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه . وقد سئل علي كرّم الله وجهه عن التقوى فقال : (هي الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والقناعة بالقليل ، والاستعداد ليوم الرَّحيل). وقال بعضهم : (تقوى الله تعالى ألا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك).  وقال الإمام أحمد:  (التقوى هي ترك ما تهوى لما تخشى) .
قال أبو الدَّرداء: (تمام التقوى أن يتقي العبد ربَّه، حتَّى يتقيه من مثقال ذرة). وقال الحسن البصري:  (ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الوقوع بالحرام).

وما من نبيّ من أنباء الله عزّ وجل إلاَ ودعا قومه إلى التقوى، فهذا أبو الأنبياء نوح عليه السَّلام يقول لقومه:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ}. (المؤمنون:23).

وهود عليه السَّلام قال لقومه عاد :{ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ}.(الأعراف:65).

وصالح عليه السَّلام .. { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ}. (الشعراء:141-142). ولوط عليه السَّلام ..{ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ}. (الشعراء:161-162) . وشعيب عليه السَّلام ..{ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ}. (الشعراء:176-177).. وإلياس عليه السَّلام ..{ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ}. (الصافات :123-124)... جميعهم  دعا قومه إلى التقوى ..

وخاتم الأنبياء والمرسلين لا يدع فرصة أو مناسبة إلاَّ ويدعو ويحضُّ وقومه على التقوى، وهو الذي أمره مولاه بالتقوى فقال:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}. (الأحزاب:1).
وبعد، فإنَّ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .. هي ثمرة الصَّوم في شهر رمضان ... فمن يقطف الثمرة ؟
والقرآن الكريم كتاب الله الخالد خصَّ كثيراً من الأعمال الصَّالحات بالتقوى، فعبادة المولى سبحانه بكل ما تحمله مفردة (عبادة) من معانِ جليلة يبعث على التقوى ويؤسس لها، قال الله سبحانه:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. (البقرة:21).

واتباع الصراط المستقيم يورث التقوى، قال تعالى :{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.(الأنعام:153).

وفي أخذ الكتاب بقوّة ومدارسته وذكره يبعث على التقوى، قال سبحانه:{ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. (الأعراف:171).

وتطبيق شرعة القصاص تحقيق للتقوى وتثبيت لها، قال عزّ وجل: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. (البقرة:179).

وأول مسجد في الإسلام بني على التقوى فيه الطهارة والصفاء والنقاء، قال سبحانه:{ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ}. (التوبة :108).

ولباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق له من اللباس للتجمل. { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}. (الأعراف:26).  وهو الإيمان والحياء والسَّمت الحسن والعفاف والعمل الصالح كما أورده أهل التفسير.

وفي القربات والأضاحي لنا ينال الله  من لحومها ودمائها .. { وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}. (الحج :37).

وبعد، فإنَّ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .. هي ثمرة الصَّوم في شهر رمضان ... فمن يقطف الثمرة ؟

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …