خذوا ودعوا أشحة القلوب شداد اللسان – بقلم : د.ديمة طهبوب

الرئيسية » حصاد الفكر » خذوا ودعوا أشحة القلوب شداد اللسان – بقلم : د.ديمة طهبوب
alt

على الرغم من أننا أمة ليس لها إلا أسوة واحدة هو الحبيب صلى الله عليه وسلم، إلا اننا نتقن فن التعلق بالبشر وصناعة الرموز وسرعة الاقتداء بهم، وإنشاء نصب لهم في قلوبنا وعقولنا لا نتخيل أن يتزحزحوا عنه شبرا، وتنهار أحلامنا ومثلنا لو شذ أو أخطأ الرموز والقدوات ويتملكنا الأسى ونقول: إذا كان أصحاب الحق بهذه الصورة فكيف ببقية المجتمع؟! أو نسارع الى أكل لحومهم وننسى أنهم بشر يصيبون ويخطئون، ولهم الأجر في الصواب والخطأ.

إن أسوتنا واحدة بشر، ولكنه نبي يوحى إليه ولا ينطق عن الهوى، ولقد جعل الله حياته كتابا مفتوحا في أدق الخصوصيات وعموم الظروف حتى نتعلم وننهل من المنبع الصافي الذي لا يخالطه خبث. أما البشر فمهما عظم فضلهم فهم أهل الخطأ وحظ النفس، لذا قصر القرآن اقتدائنا بهم في الهدى فقال سبحانه: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده..) وما دون ذلك فكل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه الا صاحب القبر المعصوم صلى الله عليه وسلم، فكل إنسان معرض للفتنة ما دام في قلبه روح تنبض، إن هذه النظرة تكسبنا الاطمئنان النفسي والسمو العقلي والصفح عن أخطاء البشر، ولا تجعل بيننا وبين الله ورسوله واسطة ولا شخصا، فمن أحسن فلنفسه ولا يضر الاسلام شيئا إذا أخطأ.
"
إن أسوتنا واحدة بشر، ولكنه نبي يوحى إليه ولا ينطق عن الهوى، ولقد جعل الله حياته كتابا مفتوحا في أدق الخصوصيات وعموم الظروف حتى نتعلم وننهل من المنبع الصافي الذي لا يخالطه خبث
"
لقد آن لنا كبشر أن نفهم طبيعة البشر، شيء من روح الله، وقبس من نور الملائكة، وكبر وطغيان إبليسي، وغرائز من عالم الحيوان، وهذه كلها تعمل في بني آدم، والفائز من هداه الله فغلب خيره على شره، والشر مؤهل دائما أن يجد له مدخلا في حالة ضعف.

وعلينا نحن العامة أن ندعو لأصحاب الفضل والعلم بالثبات، ونكف عن وضعهم تحت المجهر وتصيد أخطائهم الاجتهادية، فلقد سر الرسول أيما سرور عندما أخبره معاذ بن جبل أنه سيجتهد في القضاء، إذا لم يجد في كتاب الله وسنة رسوله مع علمه أن الاجتهاد يتنازعه الخطأ والصواب. إن من واجبنا نحو علمائنا ودعاتنا أن ندعو وننصح لهم ولا نقول فعل كذا، وخطب كذا، وكتب كذا، فنكون عونا للشيطان عليهم، ونقول: "زلة العالِم زلة للعالَم"، فالعالم محفوظ بأمر الله والقرآن محفوظ بحفظ الله، والبشر لهم دور ولكنهم ليسوا مناط الأمر والعاقبة، بالذات في حال التقصير. إننا جميعا كبشر نكسب حب الناس وقلوبهم بستر الله الذي يظهر ما حسن منا، ويخفي عن أعينهم ذنوبنا وسوآتنا التي لو علموها لأدبروا عنا، وقد قال محمد بن واسع: "لو كانت رائحة الذنوب تفوح لما جلس أحد الى أحد"، ولكنها رحمة الله الذي يظهر الجميل ويستر القبيح، ولا يأخذ بالجريرة لا يهتك الستر ويعفو عن كثيرنا واستغراقنا.

إن العلم والفتوى والكتابة والخطابة وسائل للهداية، وقد يخطئ صاحبها، ولكن ميزان المتبصرين أن كلمة الحق لا تنتسب للأشخاص، بل تؤخذ ولو كانت من فم عدو مبغض أو شيطان رجيم، فالحق أحق أن يحق، ولو كان صاحبه أو كاتبه متلوثا بالخطايا. وما أحوجنا الى العود على أنفسنا بالمراجعة والتأديب، فنحن مساءلون عن علومنا ومواهبنا فقد قال الامام الغزالي: "إن الخطبة البليغة والكتاب المبين الذكي، والجماهير العاشقة المتعصبة، لا تساوي كلها قشرة نواة إذا كانت علاقة المرء بربه واهية". وقال لقمان الحكيم: "احذر واحدة هي أهل الحذر، أنْ يرى الناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر".

"
إن العلم والفتوى والكتابة والخطابة وسائل للهداية، وقد يخطئ صاحبها، ولكن ميزان المتبصرين أن كلمة الحق لا تنتسب للأشخاص، بل تؤخذ ولو كانت من فم عدو مبغض أو شيطان رجيم
"

أقول هذا وأنا أفكر بصوت عال، وأكتب في العلن، فكم كتبت أشياء تبين لي خطأ بعضها، وكم كتبت أشياء تبين لي فيها وجوه أخرى، وكم كنت لا أرى الا الصحيح في رأيي بشكل لا يحتمل النقاش أحيانا، وكم كنت حدية في الحكم على بعض الأمور لا أرى حلا وسطا ولا أرضا سهلا، ولكني كنت محظوظة أيضا بطيف واسع من القراء والأخوة يسدون خللي ويحسنون النصح لي لتصير شذرات قلمي البسيطة أفكارا يمكن أن يستفيد منها البعض ويرى فيها بلسما او عملا أو دعوة، وكم ابتليت بأشخاص أشحة القلوب شداد اللسان جعلوا من خطأ قلمي وفكري سيفا للهجوم علي في ديني وعرضي وهؤلاء لا يذكرون أن بعض آيات القرآن وهو كلام رب العالمين قد نسخت، وسنة المصطفى تشهد بتغيير المواقف والنصح في حال تبين الخير في أمر آخر حتى لو حلف المرء عليه، وأئمتنا الأربعة كانوا يفتون ثم يعودون ويغيرون الفتوى بتغيير المكان والزمان، فكيف بكتابة بشرية لها ما لها وعليها ما عليها.

ولعله اعتراف علني لقرائي ان لا يغتروا بلقبي ولا بالألقاب عموما، فأنا ما أزال أتعلم من طفل كما أتعلم من حكمة شيخ كبير، وأخطأ أكثر مما أصيب، وأذنب أكثر مما أحسن، فمن شاء فليقرأ لي وليأخذ الحسن مما أكتب، ومن شاء فليدع ففي الساحة خير كثير وفضل، غير أن ديننا علمنا أيضا أن لا نترك العمل مخافة التقصير والخطأ ولا نتطلع لرأي الناس ثناء أو ذما، فقد كتب عمر بن عبد العزيز الى أحد نوابه يعظه قائلا: "واني لأعظك بهذا، واني لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري، ولولا أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذا لتواكل الناس بالخير، ولرُفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واذا لاستُحلت المحارم، وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض".

نسأل الله أن يجعل باطننا خيرا من ظاهرنا وظاهرنا خير، ويسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليه، وأن يجعلنا من الذين اذا قالوا فعلوا، واذا غيروا للأصوب التزموا، وإذا أوذوا صبروا.

المصدر: صحيفة السبيل الأردنية

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

هذا هو “المنهج” الذي أَعجب الصّهاينة!

تداول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية تغريدة نشرت على حساب “إسرائيل بالعربيّة” …