وفاة القادة.. سنة إلهية لتحقيق التغيير

الرئيسية » خواطر تربوية » وفاة القادة.. سنة إلهية لتحقيق التغيير
image_1418567565.09891

دائماً ما تزدحم أيامنا بذكريات حول قادة وعظماء، ترجّلوا عن ركب الدَّعوة والجهاد والعلم والتضحية، ليسلّموا الراية لمن بعدهم؛ حتى يستكملوا ما قاموا به من عمل، ويصلوا إلى ما سعوا إلى تحقيقه طيلة حياتهم.

فكلّنا يذكر في التاريخ الإسلامي ما فعله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إنجازات بعد وفاته، فوصلت الفتوحات إلى أواسط آسيا، وأواخر إفريقيا، وطرقت أبواب أوروبا، في مشهد يؤكد على استمرار النهج، وهو السعي إلى تمكين الدين في الأرض ونشره بين الناس، ناهيك عما قاموا به من أمور لتنظيم شؤون المسلمين وتعميق الدين في النفوس وغير ذلك.

وكلّنا يذكر ما فعله عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي، من سعي لتطهير البلاد من الصليبيين، ليستكمل بعدهم صلاح الدين الأيوبي، فيفتح القدس، ويعيدها إلى المسلمين، في مشهد نقل المسلمين من حالة الهزيمة والضعف، إلى حالة العزة والنصر.

حتى في وقتنا الحالي، لا يخفى على أحد، تلك الدعوة التي بدأها حسن البنا رحمه الله مع ثلة قليلة من إخوانه، إلا أنها اليوم ما زالت تكبر وتنتشر حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في أيامنا هذه.

وفي هذه الأيام، والتي نتفيَّؤ فيها ظلال استشهاد الإمام أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي رحمهما الله، وغيرهما من قادة حماس، فإننا لا يمكن أن نخفي ما وصلت إليه حماس، من حالة من التطور في شتى المجالات والتقدم بخطوات ثابتة على مشروع تحرير كل فلسطين، وطرد العدو الصهيوني منها.

السنة الإلهية في موت القادة العظماء هي إبراز كفاءة وقدرات الآخرين، وإفساح المجال لهم لاستكمال الإنجاز، وإظهار قدراتهم

سنة إلهية..

إنَّ الله عزَّ وجل جعل الموت حقيقة لا مفرّ منها، فقال سبحانه مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: {إنك ميت وإنهم ميتون}، وفي آية أخرى {كل نفس ذائقة الموت}. فالموت لا يستثني أحداً من الناس، مهما كانت جنسيته، أو مكانته، أو ديانته وعمله. لذا فمن الطبيعي جداً أن يموت القادة والمجاهدون، أو أن ينالوا الشهادة التي تمنّوها وسعوا إلى نيلها.

إنَّ السنة الإلهية في موت القادة العظماء هي إبراز كفاءة وقدرات الآخرين، وإفساح المجال لهم لاستكمال الإنجاز، وإظهار قدراتهم. فمن أين للمسلمين أن يتعرّفوا على حزم أبي بكر رضي الله عنه لولا وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم! ومن أين للمسلمين أن يتعرّفوا على سياسة عمر وعدله لولا وفاة أبي بكر رضي الله عنه! ومن أين للمسلمين أن يتعرفوا على نماذج فريدة في الحكم أو الجهاد، كعمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح، وغيرهم الكثير الكثير، لولا وفاة من سبقوهم في هذه المجالات والميادين!

وفاة القادة أو استشهادهم، يشكل حافزاً للذين يلحقون بهم من خلفهم، فهم مصدر للحماسة، ومنبع للصبر والمثابرة، ومنهج للاقتداء، وعامل لتحقيق العزيمة

إنّ وفاة القادة أو استشهادهم، يشكل حافزاً للذين يلحقون بهم من خلفهم، فهم مصدر للحماسة، ومنبع للصبر والمثابرة، ومنهج للاقتداء، وعامل لتحقيق العزيمة والإصرار، وزاد للاستمرار والمواصلة، وأساس للتعرف على طريقتهم، والتركيز على إيجابيات منهجهم، والابتعاد عما وقعوا فيه من خطأ أو زلل.

ولهذا حريٌّ بالأمة أن تنكب على سير قادتها وعظمائها، تدرس معالم حياتهم، وتقف طويلاً وهي تتأمل سير بطولاتهم وتضحياتهم، وتحلل فكرهم وتفهم منهجهم؛ حتى تستكمل مسيرتهم التي سعوا إليها، وتحقق الخير والرفعة لهذه الأمة.

نحو التغيير..

وفي هذا المقام، لا ينبغي أن تمرّ ذكريات وفاة قادتنا مرور الكرام، بل لابد من استثمارها جيداً، لتحقيق التغيير، ومن معالم هذه الاستفادة:

1-  عدم الوقوف على ذكرى وفاة القادة دون تقديم أيّ شيء للسير على منهجهم، والاقتصار على التباكي عليهم، والحزن على فراقهم. بل إنّ من الوفاء لهم، الاستمرار على ما كانوا عليه، ومواصلة المشوار حتى تحقيق أهدافهم التي عاشوا عليها، وماتوا لأجلها، وأستحضر هنا بيتين من الشعر يلخصان هذه الفكرة:

كفكف دموعك ليس في عبراتك الحرّى ارتياحي ..
هذا سبيلي إن صدقت محبتي فاحمل سلاحي..

2-  إعداد القادة، والسعي لإيجاد شخصيات قيادية تتحمل عبء المهمة حال ترجّلت القيادات الكبرى عن الركب، إما بالموت أو الشهادة، أو حتى الاعتقال أو المرض، أو غير ذلك، فليس من المقبول أن تكون الدعوة مرهونة بجهد شخص، تنشط بنشاطه، وتنام حال خموله وتقاعسه. وهذا يقتضي وضع خطة واضحة، لإعداد قادة في شتى المجالات، خصوصاً في المناطق التي يتعرَّض الدعاة فيها للاستشهاد أو الاعتقال، كفلسطين على سبيل المثال.

لابد من إعداد قيادات تتحمل عبء المهمة حال ترجّلت القيادات الكبرى، فليس من المقبول أن تكون الدعوة مرهونة بجهد شخص، تنشط بنشاطه، وتنام حال تقاعسه أو وفاته

3-  إحياء روح المؤسسية داخل إطار الدعوة، والبعد عن الشخصنة والمحاباة، بحيث يكون الرجل المناسب في مكانه المناسب، وتكون الكفاءة هي أساس الاختيار؛ حتى يتم مواصلة ما سبقنا عليه القادة، وإلا كان ذلك تفريطاً للأمانة، وتنكر وخيانة لجهد من سبقونا وسعوا لتحقيقه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

في ذكرى مولده…بعض خصائصه العجيبة صلى الله عليه وسلم

محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، الذي قال الله عنه: {هو الذي بعث في …