عبد العزيز الرنتيسي.. قيادة في زمن السقوط

الرئيسية » حصاد الفكر » عبد العزيز الرنتيسي.. قيادة في زمن السقوط
alt

«القيادة ليست أن يحبك الناس، ولكن أن تفعل ما هو صواب»، بهكذا صاغ روبين شارما رؤيته مفهوم القيادة، لكن أن تفعل الصواب ويحبك الناس في ذات الوقت هي حالة فريدة قلما يُجمع عليها الناس في رجل، فالقيادة هي التي تسعى إلى الاستيعاب، والاستيعاب يكون أولا بفهم ما نحمل من أفكار ورؤى وتطبيق ذلك عمليا دون تناقض بين ما نحمل من قناعات وبين ما نقوم به من فعل، ورعاية ومتابعة الأفراد المنتمين لهذه الفكرة والمبدأ، والاستمرار في تبليغ الفكرة ونشرها، وتقبل للآخرين ونقدهم الوصول الى قاعدة مشتركة من الاتفاق نبني العمل المشترك على أساسها مع تفهم لمبدأ أن الخلاف طبيعة بشرية، لعل أسرع الطرق لنشر الفكرة هي القدوة، فكم من أفكار نشرت لإعجاب الناس بأفعال المنتمين لها، وكم من أفكار حسنة لاقت استياء عند الناس دون التعرف عليها فقط من سلوكيات من يحملونها؛ لأنها تتناقض مع ما يروجوّن له من أفكار فباتت بضاعتهم كاسدة.
"
د.عبد العزيز الرنتيسي اسم يصعب تفاديه عند الحديث عن القيادة
"
د.عبد العزيز الرنتيسي اسم يصعب تفاديه عند الحديث عن القيادة، ذاك الشاب في المرحلة الإعدادية الذي عاد حافيا بعد إعطائه حذاءه لأخيه المسافر للسعودية للعمل ومساعدة العائلة بعد وفاة والده، هو من تفوق في دراسته الثانوية لينال منحة لدراسة بكالوريوس طب  اطفال ثم ماجستير، هو من كان يجوب البادية على قدميه لمساعدة وعلاج الأطفال من الفقراء مجانا، هو أول من سحب خط كهرباء إلى مخيم خان يونس في غزة، ليس مستغربا على هذه شخصية ان تكون من ثلة أولين أسست حركة المقاومة الاسلامية «حماس».

ولأن القيادة تتطلب انغماساً شديداً في نكران الذات قد يصل إلى حد التضحية بالنفس، استطاع الرنتيسي تحويل تجربة اعتقاله في سجون الاحتلال الصهيوني إلى نزهة الحفّاظ، فأتمّ حفظ كتاب الله، ولم يتوان عن نشر فكر المقاومة بين المساجين، ولعل من أهم وأبرز الشخصيات التي تأثرت بالرنتيسي رئيس أركان حماس أحمد الجعبري.

وفي مرج الزهور كان للرنتيسي ذاك التأثير الملموس وإن انتفت السلطة، فكما يقول الفيلسوف الصيني لاوتزو: «عندما يحب القائد شعبه بقوة يحصل على القوة، وعندما يحبه شعبه بقوة يحصل على التشجيع»، وفي أهزوجة حب الوطن والشعب يكون الرنتيسي خير منشد ونعم الزّجال، فقد تمّ اختياره ليكون الناطق الإعلامي الرسمي باسم المبعدين، ليعبر عنهم وينشر قضيتهم، وكان خير ممثل لهم. من الوفود التي تضامنت مع المبعدين وفد مصري تضمن فعاليات شعبية مختلفة منها مشاركة ممثلين للحزب الناصري، وقد تحدث باسمهم حينها  حمدين صباحي، واللافت احتفاء الرنتيسي ود.الزهار بهذه المشاركة، نعم الوفد الناصري نسبة لجمال عبدالناصر الذي ما تزال يداه ملطختان بدماء شهيد الفكر الإسلامي سيد قطب، ولكن فهم الرنتيسي قاعدة «التعاون فيما اتفقنا عليه» منحته قدرة على  تخطي عقبات الخلاف، واغتنام مختلف القدرات لتنصهر في بوتقة دعم قضية الأمة فلسطين.
"
«هذا هو حوارنا مع الصهاينة وهذا –مشيراً إلى كلاشنكوف يحمله بيده– طريقنا لتحرير فلسطين»، هكذا بدأ الرنتيسي أول خطاب له بعد رحيل القائد أحمد ياسين
"
«هذا هو حوارنا مع الصهاينة وهذا –مشيراً إلى كلاشنكوف يحمله بيده– طريقنا لتحرير فلسطين»، هكذا بدأ الرنتيسي أول خطاب له بعد رحيل القائد أحمد ياسين في أولى لحظات للرنتيسي تولى فيها قيادة الحركة، لم يستطع صياغة العلاقة مع العدو سوى باللغة التي يفهم «العمليات العسكرية»، بندقيات.. لن تتوجه إلى صدور الشعب الفلسطيني، وحتى آخر لحظات حياته بقي الرنتيسي يحاور رموز السلطة للتوصل إلى حلول لتحقيق «مصالحة فلسطينية» إن صح التعبير.

أدرك الاحتلال الصهيوني الخطر المحدق بدولته الورقية، في صوت الرنتيسي المزلزل على الفضائيات الإخبارية: «نقول للأحمق شارون: ستندمون»، كما تمنى الرجل رحل «وإنّي أفضّل الموت بالأباتشي».

كنا نظن أنّ الفاصل بيننا وبين القيادة ديكتاتوريات جاثمة على صدورنا، لكن «الربيع العربي» فضح زيف دعوانا فتبين أن الفاصل بيننا وبين القيادة هي غياب فلسفة القيادة ذاتها، هناك ثوّار وهناك شُجعان وهناك كثير من الدماء، ونحاول بصعوبة شديدة رؤية ملامح رنتيسية بين غبار الموت المحيط بعالمنا العربي.

المصدر: صحيفة السبيل الأردنية

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من المسؤول: الفلسطينيون أم العرب؟

هناك تحوّل نوعي في الموقف الرسمي العربي كشفه اجتماع الجامعة العربية الأخير، ظهر في رفض …