النصر.. بين الاستعجال والتأخر (1-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » النصر.. بين الاستعجال والتأخر (1-2)
alt

يظل الصراع بين الحق والباطل موجوداً طالما بقي الإنسان على وجه هذه الأرض، فالمعركة بينهما ليست وليدة اللحظة، أو رهينة الأيام الحالية، وإنما بدأت ببداية إرسال الرسل حينما دعوا الناس إلى عبادة الله لا شريك له، ومواجهتهم من قبل أعوان الشيطان، الأمر الذي يتطلب من المؤمنين الصبر وتحمل أعباء الدعوة، حتى يصلوا إلى النصر والتمكين.

وعلى مر العصور، لم يختلف مشهد الصراع بين الحق والباطل باختلاف الزمان والمكان والأشخاص، بل نجد القرآن الكريم يقصّ علينا كثيراً من القصص التي تتشابه في الأحداث إلى حد كبير، ويبيّن لنا كيف واجه أنصار الباطل الدعاة والمرسلين، فتارة واجهوهم بالتكذيب، والسخرية، والاستهزاء، وفي أخرى استخدموا معهم التهديد بالطرد والنفي والرجم، و أحياناً إسكات الأصوات عن طريق التهديد بالسجن وتقييد الحرية، حتى وصل الأمر إلى القتل وسفك الدماء.

وفي وقتنا الحالي، والأمّة تعيش صراعات عديدة بين أهل الحق وأهل الباطل، وتقدّم ما تقدّمه من تضحيات وشهداء، وتتعرّض للكثير من محاولات الخيانة والغدر والتصفية، ناهيك عن المؤامرات التي تحاك ضدّها ليلاً ونهاراً، فإن الأسئلة تكثر حول مفهوم النصر، وعوامله، وأسباب تأخيره، وغيرها من الأمور.

كيف يتحقق النصر..

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: " إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ"

لقد قرر الله سبحانه في الآيات السابقة، أنه يؤيد المؤمنين ويدافع عنهم وينصرهم، وصيغة المضارع في كلمة يدافع، تدل على تكرار المدافعة في مواجهة تكرار المؤامرة، ناهيك عن استمرار دفاع الله تعالى عن المؤمنين وتأييدهم في جميع المواقف، فليس دفاع الله عن المؤمنين مرهوناً بموقف معين، إنما دفاع الله عن المؤمنين يكون بما يحقق لهم المصلحة، ويعلي شأنهم وشأن أمتهم.

إنّ الآية الأولى تؤكد أن هناك معركة يواجهها أهل الحق من قبل أهل الباطل، وهذه المعركة لا ينبغي أن تكون معركة عسكرية، بل إنّها تشمل صوراً كثيرة من المعارك السياسية، والإعلامية وغيرها من الصور، ناهيك عن أنها معركة متجددة، لا تنتهي إلا بقيام الساعة."
دفاع الله عن عباده المؤمنين يحتاج منهم إلى الصبر والتضحية والبذل والإعداد. فلا يتحقق النصر بتلك السهولة، كما يظن الكسالى والمثبّطون، بحيث يأتي النصر بمجرد الدعاء، أو الذكر فقط، دون العمل على محاربة الباطل ومواجهته.
"

إنّ من يدافع الله عنه، ويدفع عنه كيد أهل السوء، فهو ظاهر حتماً على عدوه، وسينال مراده ويحقق غايته لا محالة. لكنّ دفاع الله عن عباده المؤمنين يحتاج منهم إلى الصبر والتضحية والبذل والإعداد. فلا يتحقق النصر بتلك السهولة، كما يظن الكسالى والمثبّطون، بحيث يأتي النصر بمجرد الدعاء، أو الذكر فقط، دون العمل على محاربة الباطل ومواجهته.

إنما على المؤمنين التزود بالإيمان، وتقوية علاقتهم مع الله، والقيام بأوامره، والابتعاد عن نواهيه، والإعداد الجيد لمقاومة أهل الباطل وصدهم ورد كيدهم، والصبر على ما يتعرضون له من الابتلاء والتضييق، حتى يتحقق لهم نصر الله وتأييده.

إنّ النصر السريع، لا يتحقق فيه الإعداد، ولا تهيئة الأمة، بحيث لا تشعر بقيمته ولا تساهم فيه، مما يجعلها تفرط به في أسرع وقت؛ وذلك لأنها لم تبذل فيه أية تضحيات، ولأن أصحابه لم يعانوا في الحصول عليه وبالتالي لا يتشجعون للدفاع عنه ولا الحفاظ عليه.

ولهذا يأتي النصر بعد أن تشحذ الأمة كافة قواها لتحقيقه، وتقدم كل ما تستطيع لنيله، فعندها يدافع الله عنها، ويؤيدها، ويجعل نصرها على عدوها متحققاً؛ لأنها جمعت بين الإيمان القوي، والإعداد الجيد.

قال سيد قطب رحمه الله: " لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة. فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر، وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة . عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها؛ ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة؛ ولتؤتي أقصى ما تملكه ، وتبذل آخر ما تنطوي عليه؛ وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال .  والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفر كل استعدادها، وتجمع كل طاقاتها، كي يتم نموها، ويكمل نضجها، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها.  والنصر السريع الذي لا يكلف عناء، والذي يتنزل هيناً ليناً على القاعدين المستريحين، يعطل تلك الطاقات عن الظهور؛ لأنه لا يحفزها ولا يدعوها".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

أبوة رائعة: 11 شيئا يجب عليك تذكره

وظيفتان من أصعب الوظائف على الإطلاق: أن تربي إنساناً، وأن تكون أفضل والدٍ بالنسبة له، …