النصر.. بين الاستعجال والتأخر (2-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » النصر.. بين الاستعجال والتأخر (2-2)
alt

تحدَّثنا في الجزء السَّابق من المقال  على  أنَّ النصر لا يأتي دون تضحيات أو مجاهدة لكل العوائق التي يتعرَّض إليها المؤمنون، وأنه ليس من السنن الإلهية أن يهب عباده النصر السريع؛ لأنهم سرعان ما يفرطون به لعدم تحملهم أعباءه وعدم دفعهم لثمنه.

وسنتحدث في هذا الجزء من المقال عن الجهاد كأحد طرق تحقيق النصر، وعن أسباب تأخر الانتصار في ضوء الآيات الكريمة من سورة الحج.

الجهاد .. طريق النصر
تتحدَّث الآيات الكريمة في سورة الحج، عن موضوع في غاية الأهمية وهو موضوع الجهاد، أي مدافعة أعداء الله وقتالهم، رداً على عدوانهم على المؤمنين واضطهادهم لهم.

والجهاد ضد الباطل، ليس محصوراً –كما قلنا سابقاً- بالجهاد العسكري فقط، إلا أنّ الآية {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..} تتحدث عن الجهاد وقتال الأعداء باستخدام السلاح.
"
لا يكمن سرّ الانتصار بالجهاد كمفهوم، بقدر ما يتعلّق بحسن الإعداد وقوّة الجنود، وتماسك البناء.
"

ومن الجميل حينما نتدبّر الآيات الكريمة، الاستنتاج بأن الإذن بالجهاد للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصّحابة رضوان الله عليهم، جاء بعد مرحلة شاقة من الابتلاء والتمحيص، بحيث تمسك بالإسلام أهل التضحية، وأصحاب الهمَّة العالية، والإيمان القوي، وهذا أساس ومفتاح الانتصار. فلا يكمن سرّ الانتصار بالجهاد كمفهوم، بقدر ما يتعلّق بحسن الإعداد وقوّة الجنود، وتماسك البناء.

لقد أراد الله أن يجعل في قصة نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، ومن معه من الصحابة درساً للأمة تتعلمه في كل وقت وحين، أنّ الجهاد يحتاج إلى تصفية وتسبقه الابتلاءات والمحن، بحيث يصفى المؤمنون عن غيرهم كما يصفى الذهب عن غيره من الشوائب.

ولهذا لا ضير لأهل الحق أن يطيلوا فترة الصبر والإعداد في سبيل إيجاد الجيل المؤمن القوي، الذي يحمل أمانة الجهاد ويقوم بها على أكمل وجه، وفي غزة لنا عبرة، إذ لم يصل المجاهدون إلى هذا النحو من القوّة والعزّة، إلاّ بعد مراحل طويلة من الإعداد والتربية، والصبر على الابتلاء والأخذ بكل أسباب القوة الإيمانية والتربوية والعسكرية.
"
ليس على المؤمنين أن يرهقوا أنفسهم بقياس قوّتهم إلى قوّة الأعداء، فوسائل النصر كثيرة، , وإنما عليهم أن يعدوا لمعركتهم عدتها، دون النظر إلى كثرة عدد أو قوة سلاح، وإنما يعدوا لها بكل ما يستطيعون، وما النصر إلاّ من عند الله.
"

ومن المعاني التي تشير إليها الآيات الكريمة، أنَّ النصر لا يكون بتدخل قوى غيبية في المعركة ضد الباطل، بل يحتاج إلى الإعداد الجيد، وامتلاك وسائل النصر. فالله تعالى بإمكانه أن ينصر المؤمنين ويهلك أعداءهم دون قتال، إلاّ أنّه سبحانه أراد أن يعلم أمته معنى الإعداد الجيد، فقال تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} وليس على المؤمنين أن يرهقوا أنفسهم بقياس قوّتهم إلى قوّة الأعداء، فوسائل النصر كثيرة، فقد يكون بدب الرعب في قلوب الكافرين، وزرع الثقة في نفوس المؤمنين، لذا عليهم أن يعدوا لمعركتهم عدتها، دون النظر إلى كثرة عدد أو قوة سلاح، وإنما يعدوا لها بكل ما يستطيعون، وما النصر إلاّ من عند الله.

ومن حكم تشريع الجهاد ضد الأعداء، أنّ في القيام بالجهاد تمييز للصف، واختبار للصادق وغير الصادق، فالجهاد يكشف عن تضحيات المسلمين وبطولاتهم، ويظهر تلك النماذج الفريدة التي تقتدي بها الأمة، ناهيك عن أنّ الشهادة في سبيل الله فضيلة ترفع مكانة صاحبها عند الله وتمنحه مقاماً عالياً في الجنة يتنعم بنعيمها خالداً فيها.

تأخر النصر.. أسباب وحقائق

ليس النصر هو النتيجة الحتمية لأيّ لقاء أو مواجهة مع الكافرين وأعداء الله، فقد يصاب المسلمون بالهزيمة في معركة مع المعارك، أو قد تطول معركتهم مع عدوهم بحيث يصيب البعض اليأس من تحقيق النصر، أو الشك بالمنهج وكونه على الحق أم لا. والحقيقة أنَّ لتأخر النصر حكماً كثيرة، أشار إلى جزء منها الشهيد سيّد قطب رحمه الله في تفسيره، فهو يرى أنَّ النصر قد يتأخر لعدّة عوامل، هي:
"
من أسباب تأخير النصر : عدم نضوج البنية المؤمنة، بحيث لم تتحفز كل خلية من خلاياها، ولو نالت النصر لفقدته لعدم قدرتها على حمايته.
"

1-  عدم نضوج البنية المؤمنة، بحيث لم تتحفز كل خلية من خلاياها، ولو نالت النصر لفقدته لعدم قدرتها على حمايته. وهذا الذي أشرنا إليه في المقال السابق، أنّ النصر السريع ليس من السنن الإلهية، بل إنّ النصر لا يأتي إلا بعد صف قوي متين يستطيع أن يحافظ على انتصاره بعد الحصول عليه.

2-  قد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً، إلاّ بذلته هيناً رخيصاً في سبيل الله .

3-  عدم الاعتماد الكلي على الله، فيتأخر النصر لتجرب الأمة كل قواها، بحيث تدرك أنها لا يمكن أن تنتصر دون الاعتماد على الله، فتبذل كل ما في وسعها من طاقة، وتتوكل على الله في جهادها.

4-  ضعف صلة الأمَّة بالله تعالى، فيكون تأخير النصر سبباً في زيادة صلتها بالله تعالى، بحيث تنصر الله في نفسها، وتمتثل أوامره وتتجنب نواهيه، فتصبح على الطريق المستقيم لا تنحرف أو تميد عنه، وهذا ما يعتبر ضمانة لتحقيق النصر.

5-  عدم تجرّد الأمّة في كفاحها، بحيث تنظر إلى المغنم والسمعة، أو يكون قتالها حمية أو شجاعة، فيتأخر النصر ليكون القتال خالصاً لله سبحانه.

6-  وجود بعض الخير عند من تحاربه الأمَّة المؤمنة، فيتأخر النصر حتى يجرد الله أهل الباطل من ذاك الخير القليل، بحيث يصبح شرّاً خالصاً.

7-  عدم انكشاف زيف الباطل للناس بشكل كامل، فلو انتصر عليه المؤمنون فقد يكون للباطل أنصاره ومؤيّدوه، بحيث لم يقتنعوا بزوال الباطل، فتظل له جذور في نفوسهم، فيشاء الله أن يبقى الباطل ويتأخر النصر حتى يتكشف عارياً للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية! "
ومن أسباب تأخر النصر: عدم صلاح البيئة لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الفئة المؤمنة، فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار. فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر وللحفاظ عليه.
"

8-  عدم صلاح البيئة لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الفئة المؤمنة، فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار. فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر وللحفاظ عليه.

9-  ومن حكم تأخير النصر التي يمكن إضافتها، عدم تمييز الصف المجاهد، فقد يكون التأخير سبباً في تساقط ضعاف النفوس والخونة ومن في قلوبهم مرض، بحيث يذهب بعضهم للوقوف مع أهل الباطل، في حين يبقى الآخرون على الحياد، وهنا يصبح الصف قوياً وأصحابه مؤمنون إيماناً حقيقياً، فينالوا النصر لتماسكهم ووحدتهم وقوتهم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …