الجهاد المدني.. محور معركة البناء

الرئيسية » بصائر الفكر » الجهاد المدني.. محور معركة البناء
alt

من الطبيعي أن يتبادر ذهن الناس إذا سمعوا بمصطلح الجهاد إلى الجهاد العسكري ضد المحتل؛ نظراً لكثرة النصوص التي تتحدث عنه، و لما تعانيه الأمة من انتهاك لحرماتها واحتلال لأراضيها.

لكن مفهوم الجهاد لا يقتصر فقط على القتال، بل إنّ من الخطأ القول أنّ الجهاد هو القتال. فالجهاد يشكل منظومة كاملة للحفاظ على الأمة والارتقاء بها. بدءاً من جهاد النفس والشيطان، وانتهاءً ببذل الأرواح والأموال في سبيل الله لقتال أعداء الله وتحرير الأوطان.

ولقد تعددت صور الجهاد، كالجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، والجهاد باللسان والبيان، والجهاد بالصبر على الظلم، إلا أنه من الصور المستحدثة للجهاد هو الجهاد المدني، وأول من تكلم عنه العلامة القرضاوي في كتابه القيم "فقه الجهاد".

فما المقصود بالجهاد المدني، وما هي صوره وأدلة مشروعيته.


مفهوم الجهاد المدني
"
الجهاد المدني: هو الجهاد الذي يلبي حاجات المجتمع المختلفة، ويعالج مشكلاته المتنوعة، ويغطي مطالبه المادية والمعنوية، وينهض به في سائر المجالات؛ حتى يتبوأ مكانته اللائقة به، وهو يشمل مجالات عدة
"

يقصد الشيخ القرضاوي بالجهاد المدني، الجهاد الذي يلبي حاجات المجتمع المختلفة، ويعالج مشكلاته المتنوعة، ويغطي مطالبه المادية والمعنوية، وينهض به في سائر المجالات؛ حتى يتبوأ مكانته اللائقة به، وهو يشمل مجالات عدة: المجال العلمي أو الثقافي، والمجال الاجتماعي، والمجال الاقتصادي، والمجال التعليمي والتربوي، والمجال الصحي والطبي، والمجال البيئي، والمجال الحضاري بصفة عامة، وغير ذلك.

وهدف هذا الجهاد الحفاظ على مؤسسات المجتمع المدني، ودعمها وتفعيلها، عبر تعليم الجاهل، وتشغيل العاطل، وتدريب العامل، وإشباع الجائع، ومداواة المريض وغير ذلك.

وتكمن أهمية الجهاد المدني في وقتنا الحالي في الدول التي تحررت من الظلم والاستبداد، حيث تحتاج إلى بناء شامل في كافة المجالات، بعد عقود طويلة من الهدم والإفساد، ناهيك عن تأمين احتياجات الأفراد وتحقيق مطالبهم في سبيل تحقيق العزة والرفعة للأمة.

إضافة إلى ما سبق، فإن النجاح في الجهاد المدني، يعتبر مقدمة لتحقيق النصر في الجهاد العسكري؛ لأن تقوية الأمة وسد ثغراتها و مكامن الخلل فيها، كفيل لتحقيق النصر لها على أعدائها وجعلها ذات هيبة ومكانة إقليمية ودولية، مما يؤهلها للقيام بدورها المطلوب منها، في دعم قضايا الشعوب المظلومة والمضطهدة، ودعم حريتها واستقلالها.

إن أهمية الجهاد الداخلي أو ما يعرف بالجهاد المدني، لا يقل أهمية عن الجهاد العسكري، وإن ترصيص الصفوف، وتوفير الحاجات، علامة على استعداد الأمة لأي جهاد عسكري في المستقبل.

أما صور الجهاد المدني، كما يراها الشيخ القرضاوي، فهي كثيرة متعددة، من أبرزها:
"
النجاح في الجهاد المدني، يعتبر مقدمة لتحقيق النصر في الجهاد العسكري؛ لأن تقوية الأمة وسد ثغراتها و مكامن الخلل فيها، كفيل لتحقيق النصر لها على أعدائها وجعلها ذات هيبة ومكانة إقليمية ودولية، مما يؤهلها للقيام بدورها المطلوب منها، في دعم قضايا الشعوب المظلومة والمضطهدة، ودعم حريتها واستقلالها.
"
الجهاد العلمي

ومن الأدلة على ذلك أن القرآن أرشد إلى توزيع القوى الفاعلة في المجتمع على الساحات العلمية والعملية، و التي تتطلب تجنيد القوى المختلفة لخدمتها، والنهوض بمطالبها وتحقيق أهدافها. ويتجلى هذا في قوله تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة :122]. فهنا نجد أن الله تعالى قد قرر في هذه الآية عدم تكديس القوى في جانب واحد، ونسيان الجوانب الأخرى، فلا ينبغي أن يستأثر الجهاد العسكري –رغم أهميته- بكل طاقات الأمة وقواها الفاعلة، وترك الساحات الأخرى فارغة كساحات العلم والتفقه في الدين. لذا يدخل في هذا كل ما يرفع مكانة الأمة العلمية في دينها ودنياها، فتعتبر جميعها نوعاً من أنواع الجهاد المدني.

الجهاد الاجتماعي

وهو ما يتعلق برعاية الأسرة من الوالدين والأولاد والأرحام، والمحتاجين وغيرهم. ومستنده ما رواه الشيخان، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أحي والداك؟ قال نعم. قال: ففيهما فجاهد)). ويدخل في هذا الصنف، توجيه النبي الأمة بخلافة المجاهد في أهله وأسرته بخير، بحيث تلبى مطالبهم، وتصان حرماتهم، ويعانوا على طلباتهم، كما جاء في قوله ((من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا)). (متفق عليه)

الجهاد الاقتصادي

وهو يتمثل بكسب الرزق وسد الحاجات، ومثاله ما رواه كعب بن عجرة قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله!. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله. وإن كان يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله. وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله. وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)). (أخرجه الطبراني في الكبير والصغير والأوسط، قال عنه المنذري: رجاله رجال الصحيح). وهنا يتضح أن النبي صلى الله عليه وسلم ركز على النية والباعث، فما دام السعي يوفر الحاجات الاقتصادية للأسرة والمجتمع، فهو في سبيل الله. ويدخل في هذا كل عمل ينهض باقتصاد المجتمع، وينقله من دائرة الاستهلاك إلى الانتاج، أو كل عمل يؤدي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.

الجهاد التربوي

وهو ما يختص بإنشاء المدارس التي تعلم المسلمين ما يحببهم في دينهم، ويحقق فيهم الانتماء إلى أوطانهم، ويحمي هويتهم ويحافظ على شخصيتهم، وهو ضروري لصنع الأمة القادرة على حمل رسالتها المتميزة لنفسها وللعالم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وهناك أنواع أخرى من الجهاد المدني، كالجهاد الصحي، والذي يختص ببناء المستشفيات والمراكز الصحية، ووقايتهم من الأمراض، وتأمين العلاج لهم. والجهاد البيئي، والذي يحافظ على البيئة ويحميها من التلوث والضر، الذي يفسد حياة الإنسان ويجلب لها المفاسد المتعددة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

“لأنَّهما عَرَبيَّتان مُحَجَّبتَان”.. حصاد سياسات العنصرية والكراهية في فرنسا!

يوم العشرين من أكتوبر، شهدت المنطقة المحيطة ببرج "إيفل"، أشهر معالم العاصمة الفرنسية، باريس، ورمز …