الأعمال بين القَبول والإحباط

الرئيسية » بصائر تربوية » الأعمال بين القَبول والإحباط
alt


(اللهمَّ لا تجعلنا من الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) .. دعاء مستخلص من آية كريمة في سورة الكهف تقشعر منها الأبدان وتوجل منها القلوب، لأنَّ الأعمال إذا لم تكن خالصة لله تعالى وصواباً وفق ما أراد ربُّنا سبحانه وكانت مقرونة بالغُرور والعُجب كانت وبالاً على صاحبها وإن كان ظاهرها مزخرفاً جذّاباً، قال الله تبارك وتعالى:{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً * ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً}.
"
إذا رأيت الله سبحانه يزيدك من نعمة وأنت مقيم عل معصيته فاحذره فإنما هو استدراج يستدرجك به
"
يقول الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه (الروح): (وهؤلاء إذا انكشف الغطاء وثبتت حقائق الأمور علموا أنَّهم لم يكونوا على شيء وبدا لهم من الله ما لم يكونا يحتسبون . وفي أثر معروف : (إذا رأيت الله سبحانه يزيدك من نعمة وأنت مقيم عل معصيته فاحذره فإنما هو استدراج يستدرجك به)، وشاهد هذا في القرآن في قوله تعالى : {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فهم مبلسون}، وهذا من أعظم الغرة أن تراه يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على ما يكره !!).

والمسلم دائماً يدعو الله عزّ وجل أن يقبل أعماله، حيث ورد في لطائف المعارف لابن جب : (قال معلّى بن الفضل : كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم. و قال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان و سلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلاً).

شروط  قبول الأعمال ..

أجمع جمهور العلماء أنَّ الأعمال لا تقبل إلاّ إذا كانت مقرونة بشطرين أساسيين هما : المتابعة والإخلاص.
فالمتابعة أي: الموافقة لما شرع الله سبحانه، فالبدع مردودة على أهلها، فمهما اجتهدوا وتعبّدوا وأخلصوا في نظرهم، فالبدع مردودة، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد  أي: مردود لا يقبل.

والشرط الثاني، قال الله عزّ وجل :{وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] : أي: فليجعله خالصاً لوجه الله الكريم، وهذا هو شرط الإخلاص، ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قول الله تبارك وتعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود:7]، قال:  (أصوبه وأخلصه).

"
إن كل عمل يعمله العاقل لا بد أن يكون لهدف يقصده، فأي عمل لا يكون له مقصد يكون كضربة المجنون ليس لها هدف
"
وفي الحديث النبوي: ((إنَّ أول الناس يُقْضَى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال؛ فاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جرىء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل تعلّم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن، ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثمَّ ألقي في النار)).

حبطت أعمالهم !

حذرنا  المولى سبحانه  من كل ما يكون سبباً في إحباط أعمالنا الصَّالحة، وأخبرنا أنَّ من هذه الأعمال ما يكون مخرجاً من الدّين كالشرك بالله، ومنها ما يكون مُحبطاً للأعمال كالرّياء والسّمعة، وعقوق الوالدين، وهجر المسلم، ونشوز المرأة من زوجها، والتعامل بالرّبا وتعاطيه، ولكنَّ المخرج من هذه كلها التوبة والرجوع إلى الله عزّ وجل، والتزام كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}. وقال عزّ وجل {...أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين}. يقول الشيخ  الشعراوي رحمه الله : (إنَّهم الذين كفروا بآيات الله، وقتلوا النبيين بغير حق، وقتلوا الذين أمروا بالقسط بين النّاس، هؤلاء لهم العذاب، ولهم أيضاً حبط العمل في الدنيا والآخرة، وكذلك من نهج نهجهم، ومعنى {حبطت} أي: لا ثمرة مرجوة من العمل، إن كل عمل يعمله العاقل لا بد أن يكون لهدف يقصده، فأي عمل لا يكون له مقصد يكون كضربة المجنون ليس لها هدف. إنَّ العاقل قبل أن يفعل أي عمل ينبغي أن يعرف الغاية منه، وما الذي يحققه من النفع؟ وهل هذا النفع الذي سوف يحققه هو خير النفع وأدومه، أو هو أقل من ذلك؟).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …