تجربة غزة

الرئيسية » حصاد الفكر » تجربة غزة
أحمد نوفل

مرت غزة بعدة تحولات وتقلبات قبل أن تصير إدارة الأمور فيها إلى حركة حماس. فمنذ ستين سنة وغزة تابعة للإدارة المصرية. وانطلقت منها عمليات مقاومة لإسرائيل برضا مصر في مرحلة ثم بغير رضاها في مرحلة أخرى.

 

ثم وقعت بعد حرب سنة 67 تحت الاحتلال الإسرائيلي. وعمل فيها الاحتلال عمله تفكيكاً لعرى المجتمع ومنظومته القيمية والأخلاقية، واجتهد في نشر العملاء والمخدرات وغيرها.. وأقام في غزة عدة مستوطنات تتحكم في القطاع.

 

وفي نهاية الثمانينيات بدأ تشكيل حركة حماس. لكن الساحة كان يسيطر عليها عملياً منظمة التحرير بفصائلها المختلفة وبالأخص والأقوى والأبرز حركة فتح، ورقابة الاحتلال ليست بالشيء الهين.. بل هي لعلها الأدق والأدهى على مستوى العالم، يعاونها في ذلك طابور طويل من العملاء المدربين على المهمات القذرة تدريباً فائقاً.

 
وبقي الحال على هذا، جَنين يتشكل في رحم المجتمع الغزي، هو حركة حماس، وحركات مسيطرة على الشارع، هي الجبهات والمنظمات الفلسطينية، واحتلال قمعي مهين.

 
ثم جاء دخول عرفات إلى غزة دخول الفاتحين وكأنه صلاح الدين القرن العشرين.. وأمّل الشعب خيراً بدخوله، لكن الصدمة كانت فوق المتوقع والمحتمل بسلوك المنظمة التي بدأت بالتضييق على المقاومين والتنسيق الأمني الذي بدأ مبكراً، وبالتجاوز المالي والأخلاقي واستخدام النفوذ في الإثراء غير المشروع، وفرض الهيمنة على الناس.. فبدأ المجتمع يفقد ثقته في فتح وعرفات والجبهات تدريجياً كلما زاد تجاوزهم وطغيانهم. وبدأ ظهور الوليد الجديد حماس بعملية هنا وعملية هناك، وبدأ انتباه الناس ينشد إلى هذا الناشئ الجديد، وقد اعتقل رموز هذا التنظيم على يد إسرائيل مرات، وعلى يد السلطة مرات، وكانت إسرائيل تعلن أحياناً: لقد اعتقلنا الرنتيسي أو أحمد ياسين بناء على طلب من سلطة عرفات أو عرفات نفسه.

 
وكان التعذيب في سجون السلطة للشباب المقاوم يفوق تعذيب إسرائيل، والتجاوز على الدين والمتدينين من دوس اللحى، وقلعها بالكماشات، حتى الزهار نفسه لم يسلم من هذا، بل إن بعضهم كان يسب كل مقدسات المسلمين إمعاناً في الإهانة والتعذيب.

 
وبالمقاومة انسحبت إسرائيل من القطاع، ثم جرت الانتخابات، وقد قلت في أكثر من مقال: إن «المعلم» الأمريكي والصهيوني يسمح بالانتخابات الحرة مرة ليقيس بها شعبية المسلمين ولا يكررها. ولاحظ تجربة العالم العربي مع الانتخاب طولاً وعرضاً من الجزائر إلى ما شئت، فستجد مصداق ما قلت.. كانت الانتخابات التي فاجأت العالم بفوز كاسح لحركة حماس، وكان المتوقع أن تنجح السلطة في إفشالها كما نجح العسكر من بعد في إفشال تجربة مصر.. لكن العكس هو الذي حصل، فإن تجاوزات فتح وأجهزتها الأمنية جعلت الناس تنتظر ساعة الخلاص.

 
فوقعت مواجهات استمرت متقطعة لشهور، ثم انتهت بإخراج فتح من الواجهة والهيمنة والسلطة والنفوذ وبقي التنظيم بطبيعة الحال. قبلها كانت واقعة مرج الزهور التي تم فيها إبعاد الرموز الدينية المؤثرة إلى جنوب لبنان وكانت لإسرائيل تجربة مرة منيت فيها بخسائر إعلامية ضخمة، وقد أدار الشباب الرنتيسي والدويك ومن معهم معركة الإعلام في مرج الزور بكفاءة واقتدار، وعادوا بعد سنة بأكاليل الغار وشعور الانتصار، ومن هناك انطلقت طاقات في إدارة الصراع في فلسطين وبالذات في غزة.

 
أقول نجحت حماس في استلام الوضع في غزة سياسياً وسيادياً. ومذ ذلك الوقت والمؤامرات تترى على غزة من كل الجهات وأولها بالطبع إسرائيل بحصارها الخانق بحراً، فيما يتولى النظام في مصر مبارك بالحصار البري، لكن الشعب في سيناء و»رفح» المصرية بالذات ورفح الفلسطينية، أبدعوا قصة الأنفاق لفك الطوق عن الأعناق، فانتعشت سيناء المهمشة طيلة كل عهود حكم مصر، لماذا؟ لا نعلم بالطبع! فعوائد الأنفاق على السيناويين بمئات ملايين الدولارات. أما عوائدها على القطاع فشريان حياة.
وثاني المتآمرين بعد إسرائيل ونظام مبارك: السلطة الفلسطينية التي كانت تمنع المصالحة وتعرقلها.

 
أما عن نظام مبارك وتآمره وتنسيقه مع إسرائيل لخنق القطاع فحدث ولا حرج. وعمر سليمان كان يفاوض نيابة عن إسرائيل بأشرس دفاع عن إسرائيل وبأخلص مما تفعل إسرائيل. ثم كان الجدار الذي تكلفت فيه مصر (350) مليون دولار، وظلت تنفيه حتى اكتمل.

 
على أن التآمر لم يقف يوماً ولم تهدأ ناره، والعرب بأجمعهم، أو لنقل «جمهرة العرب» حتى لا نقع في التعميم يتآمرون أو يتفقون وتذكرون مؤتمر شرم الشيخ لإعادة إعمار غزة الذي لم يصل منه مليم واحد. وكان جزءاً من المؤامرة. أن يمتصوا غضب الجماهير وينفسوا غليانهم ثم لا يكون شيء!

 
وعباس بشر العاهل السعودي منذ 6/8/13 أن حماس ستنتهي من قطاع غزة على يد «تمرد غزة» في 11/11/13 وبتنسيق إقليمي صهيوني ومر اليوم الموعود. على أن المؤامرة تغلي مراجلها. وما إسقاط مرسي إلا جزء من هذه المخططات، ودفع الثمن لموقفه من الحرب الأخيرة. وأظن أن جزءاً من أهداف إسرائيل من الحرب استكشاف موقف النظام الجديد، ففاجأها أن رئيس وزراء مصر يزور القطاع تحت القصف، وأن مرسي يفاوض عن حماس بعد أن كان مبارك وسليمان يفاوضون عن إسرائيل، فكان أن دفع مرسي ثمن موقفه من غزة ومن سوريا فإسرائيل تريد بشار الأسد في سوريا ولا تسمح بإزاحته.

 
أما الحملة الإعلامية المصرية فلم تتوقف طيلة حكم حماس وطيلة تزامنه مع حكم مبارك، فقد وصفت ظلماً وزوراً بإمارة الظلام، وحماس ستان، وغزة ستان، وإرهاب ستان ونقطة نشر المخدرات في مصر.. وما لا ينتهي من الأكاذيب. فمن دهس الناس في الميادين كانوا من حماس، والطرف الثالث الذي كان يعلن عنه المصريون دائماً اكتشفوا أنه من حماس ومن قتل الجنود في رمضان هم حماس وما لا ينتهي كما قلت.

 
وقد بلغ التآمر على غزة أنه في غزو 2008-2009 كانت قوات مصرية وفلسطينية تعد بالآلاف على أهبة الاستعداد لاستلام غزة من قوات الاحتلال هدية الغزو لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. فلماذا ينقمون من غزة كل هذا؟ وما الذي ينقمونه على غزة؟ غزة الآن تتمتع بحرية وكرامة أكثر من أي بلد عربي، ولو رفع الحصار لربما كانت من أعلى البلدان أمناً اجتماعياً وأمناً عاماً، وأقل نسبة إدمان وأقل نسبة جرائم وأقل نسبة اكتئاب وضغط. في غزة يعيش رئيس الوزراء ومن قبله أحمد ياسين في مجتمعات اللاجئين لم يغادرها منهم أحد ولم يتغير على حاله شيء. في الوقت الذي في زمن الرمز عرفات شكلت لجنة تحقيق ليعلم أن نصف الموازنة قد جرى تسربه أو نهبه! مثل هذا لا وجود له في غزة، كل قرش مساعدات يذهب إلى محله وموضعه خدمة أو مرافق.

 
إسلام معتدل سمح حق ومساواة وولاء للعرب والمسلمين وقضاياهم. فلم يتآمرون عليهم؟ إنه السبب ذاته الذي حمل الانقلابيين على التآمر على مرسي. إنه معاداة الإسلام، وتصوير ذلك بأنه معاداة حركة. ولا والله إنها المعاداة للإسلام. وثانياً إنها العمالة لإسرائيل، وإلا فلماذا كان عمر سليمان يضغط على حماس أكثر من إسرائيل في المفاوضات؟ إنها التبعية والعمالة.

 
ولماذا سمت إسرائيل مبارك كنزها الاستراتيجي؟ ولماذا سمت السيسي بالبطل القومي لإسرائيل؟ لا تحتاج إلى عبقرية لنفهم المعادلة. إن العالم العربي اليوم هو حاضنة إسرائيل ومتعهد أمنها وحمايتها. ولاحظ أن كل نظام يسوق نفسه حتى نظام بشار ومعلمته إيران، على أنهم البديل عن الإسلاميين والتشدد الإسلامي! وإلا فكيف نفسر أنه في الأربعين سنة الماضية لم تطلق من الجولان طلقة على إسرائيل؟

 
وثالث أسباب التآمر على غزة نجاح غزة في إدارة نفسها ومواردها على شح تلك الموارد، على الحقيقة! وعلى حصار الأشقاء والأعداء! فكيف لو وصلها من الأشقاء دعم ومدد!؟

 
ولئن تقاعست الأنظمة عن دعم غزة وتآمر كثير منها أو جلها على غزة فإن موقف الشعوب ينبغي أن يكون بالنقيض من كل ذلك أي أن يكون داعماً لغزة مؤيداً وناصراً ولا بد من التفكير الجمعي بكسر الحصار عن غزة وبالذات حصار عسكر مصر والسلطة الفلسطينية.

 
هذه تجربة يجب أن تنجح ولا يجوز أن تفشل لأنها تمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً وتمثل طموحاته المشروعة في الحرية والكرامة.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • صحيفة السبيل الأردنية
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

هذا هو “المنهج” الذي أَعجب الصّهاينة!

تداول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية تغريدة نشرت على حساب “إسرائيل بالعربيّة” …