ولا تهنوا ولا تحزنوا

الرئيسية » خواطر تربوية » ولا تهنوا ولا تحزنوا
مسلم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد

عندما نردد القرآن دستورنا إنما نذكر أنفسنا بأهمية القرآن لنا على طريق الحق، ومدى احتياجنا له في كل الظروف والأحوال والأوقات لأنه كلام رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وما فرط الله فيه من شيء.

 

فالقرآن هو دستور للفرد في سره وعلانيته في فرديته وأسريته وجماعيته، وهو دستور للبيت في داخليته وخارجيته وللمجتمع في سلوكياته وعلاقاته وللأمة في كل شؤون حياتها وللجميع أفراداً وبيوتاً ومجتمعات وأمما في شؤون آخرتهم.

 

ولنعش مع آيات من كتاب الله لنراجع حالنا في هذه الأحداث الجسام، قال تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏137‏)‏ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏138‏)‏ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏139‏)‏ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏(‏140‏)‏ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ‏(‏141).

 

وعلى الأخ المسلم عندما يواجه أحداثاً جساماً مزلزلة تجعل الغبش والغيوم أمام عينيه فلا يرى المستقبل بوضوح أن يراجع الماضي وما حدث فيه مع الحاضر وأحداثه من خلال القرآن الكريم لمراجعة سنن الله في الكون في إطار قدرته المطلقة (والله غالب على أمره) عندها سيرى المستقبل بوضوح لا غبش فيه ولا غيوم.

 

وإذا ماعشنا مع الآيات السابقة من سورة آل عمران قد نخرج بمعان تساعدنا على حسن التعامل مع واقعنا الذي نعيشه.

 

لا نتعجب من إعراض أناس عن الحق الواضح الجلي البيّن فالبيان للناس كافة، ولكن الهدى والموعظة للمتقين منهم (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ).

 

الحق واضح جلي لا ينقصه البيان وإنما ينقص معانديه ورافضيه الرغبة فيه والقدرة على اختياره لأن الإيمان الصادق الذي يفتقدونه هو الذي يولد تلك الرغبة وتلك القدرة أما من خضع لشهوة أو اتبع هوى أو خاف باطلا فهيهات أن يختار الحق أو يسلك طريقه.

 

ولا تهنوا أي لا تضعفوا عن مواصلة العمل والبذل والتضحية ولا يضعفكم أن استشهد منكم الكثير وجرح أكثر واعتقل أكثر وأكثر، واعلموا أن هذا سر قوة مشروعكم وضريبة انتصاره وتمكينه، فدم الشهادة والجراح وأحزان المحن والابتلاءات تجعل جذور مشروعكم تتعمق وتتشعب فتزيدكم عمقا وثباتا وتغذيكم بالروح والطاقة والأمل ولنجعل التضحيات التي قدمت دافعا لكل من له عين تطرف أو قلب ينبض أن يبذل ما في الوسع وفاءاً لعهد الله ودم الشهداء.

 

ولا تحزنوا رغم أن المصاب صعب جلل، فالشهيد قد يكون خلف أرملة وأيتاماً نعم، والجريح نزف وفقد قدرة على العمل نعم، والمعتقل يفتقده أهله وعمله ودعوته نعم، والباقون يعيشون في حال من الجهد والابتلاء نعم.

 

ولكن أهل الإيمان الصادق والغاية الواضحة يرون المنحة في طيات المحنة، والنور يبزغ في حلكة الظلمة، والمبتغي مرضاة ربه الراجي لرحمته يرى الشهادة أمنية فاز بها من سبقوه وما دونها من جرح وسجن وابتلاءات متنوعة أعمالاً صالحة تثقل الموازين يوم القيامة فهو يسعد بها ويتمنى زيادتها غير أن عافية الله أوسع له لذا لا تحزنوا فالله معكم يراكم ويسمعكم ولن يتركم أعمالكم بل ينميها لكم أضعافا مضاعفة ويجازيكم بأحسن منها.

 

مداولة الأيام وتغير الأحوال بين شدة ورخاء هو الذي يكشف عن معادن النفوس، كما يختبر الكير قوة المعادن، ولأن الله يربي بالأحداث كما يربي بالقرآن فإنه يكشف بهذه الأحداث في كل نفس عن الغبش والصفاء، الهلع والصبر، القنوط والثقة، التبرم والاستسلام.

 

بنيان الأمة لابد أن يكون بنياناً مرصوصاً، وهذا يستلزم فرزاً دقيقاً ولا تعجل فتقول حتى متى؟ فالذي يقوم بالبناء اختص نفسه بتقدير ذلك (ليميز، ليعلم، يمحص، يمحق).

 

يقلب الله عز وجل قلوب عباده بين الشدة والرخاء (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) من النصر العجيب إلى الهزيمة المريرة حتى يعوا أسباب النصر والهزيمة فلا ينسوها أبدا فلا ينتصروا فيبطروا أو ينهزموا فيقنطوا ولكن يشكرون ويصبرون.

 

حقيقة العلو:

أنتم الأعلون بإيمانكم فأنتم لا تسجدون إلا لله..

أعلى بمنهجكم الذي وضعه وصنعه الله عز وجل لكم..

أعلى بالقضية التي تحملونها وهي هداية الناس إلى الحق وإرشاد الناس إلى الخير ونشر الإسلام في ربوع العالمين..

 

الشهداء جعل الله عز وجل اتخاذهم هدفا للصراع بين الحق والباطل وكرمهم بأن اختصهم لنفسه طلب منهم أن يشهدوا له فشهدوا بطريقتهم كتبوها ولكن بدمائهم وأرواحهم والعجب كل العجب أن الشهداء كانوا يعيشون بيننا ولم نتنبه أو نشعر بما اختصهم الله به إلا بعد أن يكشف الله عنهم باتخاذهم شهداء.

 

فما من شهيد إلا ونكتشف بعد شهادته عجائب في حياته التي عاشها بيننا كانت تميزه عنا ولكن الله سترها ليكشفها لنا في الوقت الأنسب.

 

الربط بين اتخاذ الشهداء ونفي حبه عز وجل للظالمين (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ربما يكون للرد على شبهة يرددها الظالمون والله عز وجل يستدرجهم بها ألا وهي (طالما مكننا الله من رقابكم فنحن أحب إليه منكم) فهو بذلك الربط يقول لهم لم أمكنكم من قتل الشهيد هواناً له علي أو حبا لكم عنه فهو قاتّلَكُم حبا لي وبغضا لكم لذا فقد كرمته باتخاذه شهيداً، ولكم مني البغض والعقاب.

 

التمحيص درجة بعد الفرز والتمييز وهي تتم داخل النفس تجعل صاحبها يقف على حقيقة نفسه التي كانت ربما تخفى عليه ولم يلحظها إلا مع مداولة الأيام وتغير الأحوال ومن الخير أن يعرف ضعف نفسه مبكراً ليعالجها فلا تستمر في ضعفها.

 

بعد تحقيق هذه الانتصارات العظيمة المتمثلة في:

- ضبط البوصلة بمراجعة القرآن.

- الحرص على الثبات ومواصلة البذل والتضحية وعدم الوهن.

- عدم الحزن على ما حدث.

- معرفة منزلتنا ومكانتنا عند الله وشروط ذلك.

- حسن التعامل مع مداولة الأيام وتغير الأحوال.

- ضبط تصوراتنا حول الشهادة والابتلاءات.

- تمحيصنا لنفوسنا.

 

يصبح محق الباطل ودمغه أمراً محتوماً ما أيسره وما أسهله فالصعوبة في التهيؤ له والتأهل لتبعاته بدفع ضريبته التي لابد منها وقد يكون ذلك اليوم أو غدا أو أقرب من ذلك (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا).

 

 

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الصبر
  • المحن
  • مراجع ومصادر

    • إخوان الدقهلية
    اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    بين أداء الفرائض وحرية التصرف بالصحة والوقت؟

    تأمل في هذا الحديث: {جَاءَ أعرابيّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، …