مقدمة في مناهج الإصلاح (2 من 3)

الرئيسية » بصائر الفكر » مقدمة في مناهج الإصلاح (2 من 3)
DXlueDve8Cm5

4- أسباب الاختلاف بين مدعي الإصلاح:

علمنا مما تقدم أن الإصلاح لابد فيه أولاً مِن تحديد مرجعية الإصلاح.

ثم ثانيًا: معرفة تفاصيل الإصلاح من هذه المرجعية.

ثم نتصدى للعلاج، فنحتاج ثالثًا: لتشخيص المرض.

ثم رابعًا: نكتب العلاج.

والخلل يمكن أن يكون في أي مرحلة من هذه المراحل, وغني عن الذكر أن الخلل في مرحلة مبكرة يكون أعظم من أن تكون في الذي بعده، وهكذا... فلو اختلفنا في مرجعية الصلاح فيكون هذا اختلافًا جذريًّا تمامًا, أما لو اتفقنا على المرجعية ثم اختلفنا في فهمنا لهذا الصلاح الموجود في تلك المرجعية لكان هذا الخلاف أخف مِن الذي قبله, وأشد من الذي بعده؛ وهو أن نتفق على المرجعية وعلى وصف حال الصلاح بعد الرجوع إلى هذه المرجعية ثم بعد ذلك نختلف في علاج حالة بعينها في التشخيص.

إذن الخلاف قد يكون خلافًا جذريًّا وشديدًا إذا بدأ من نقطة المرجعية (مرجعية الصلاح), أو إذا اتفقنا على المرجعية ثم اختلفنا في وصف الصلاح الموجود في هذه المرجعية التي اتفقنا عليها، هذا في علم الصلاح كمرجعية وكوصف تفصيلي.

وبطبيعة الحال فإننا إذا اختلفنا في مرجعية الصلاح سنكون مختلفين جزمًا في تعريف الصلاح وفي التشخيص, أما إذا اتفقنا في تعريف الصلاح فلا يلزم أن نتفق في كل تشخيص وفي كل علاج، ولكننا سنلاحظ عمومًا أن دائرة الخلاف ستكون أضيق.

5- الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين خلاف جذري في مرجعية الصلاح:

رغم أن موضوع الدراسة منصب بصفة أساسية على مناهج الإصلاح عند الحركة الإسلامية، ولكن لا بأس طالما أننا تناولنا الموضوع من أوله وقمنا بتحليل عناصر عملية الإصلاح أن نشير هنا إلى أن الخلاف بين مَن يسميهم الناس بالإسلاميين وبين العلمانيين هو في نقطة المرجعية؛ أي في أول نقطة.

وعلى هذا... فإن هذا الاختلاف جذري وجوهري, فالإسلاميون يقولون: إن حال الصلاح نعرفها بالرجوع إلى الإسلام, فالإسلام يصف لنا حال صلاح الفرد والمجتمع والدولة، ونحو ذلك، مع الأخذ في الاعتبار أن دائرة المباح في الإسلام واسعة، وهي أمور تحيل فيها الشريعة البشر على تجاربهم البشرية.

ومن هنا عبَّر البعض عن ذلك بأن الشريعة الإسلامية عند المسلمين تمثل "المرجعية العليا" حيث يمكن أن يكون هناك مرجعيات أخرى، ولكن بشرط ألا تتعارض مع تلك المرجعية, فالمرجعية العليا للصلاح عند الإسلاميين هي بالرجوع إلى الإسلام, والعلمانيون يقولون: إن المرجعية لصلاح المجتمع والدولة هي الرجوع إلى التجارب البشرية.

وكما ذكرنا فإن الإسلاميين لا يرفضون الرجوع إلى التجارب البشرية، ولكن شريطة ألا تتعارض مع المرجعية الأعلى التي هي "الشريعة", فإذا أحالتنا الشريعة في باب الزراعة أو الصناعة ونحو ذلك إلى وسائل وأمور مباحات، فنرجع فيها إلى تجارب المسلمين والكفار، ولا فرق طالما أنها في إطار المباح.

أما أن التجارب البشرية تقول جدلاً إن إقامة النظام الاقتصادي على الربا هو النظام الاقتصادي الناجح، فلا نعول على هذه التجربة، ونقول: لا، بل المرجعية الشرعية أعلى، أو يأتي أحد ويقول إنه يرى نزع الملكية الفردية... فكل هذه أمور لا تجوز, وهذه هي العلمانية باختصار؛ فهي تقول إنه فيما يتعلق بتنظيم شئون المجتمع والدولة: لا يُرجع إلى الدين!

وعلى هذا، فالاشتراكية والرأسمالية أو أي فكرة طالما لم تُستقَ من الدين فهي مقبولة من حيث المبدأ, فالرأسمالية والشيوعية كمذهبين اقتصاديين على العكس من بعضهم تمامًا, لكن كلاهما نابع من أنها تجربة بشرية، فإذا العلمانية تقول لك: إنه من حيث المبدأ عليك أن تدرس المذهبين على قدم المساواة ثم تتخير أيهما أفضل؟ إلى غير ذلك, بينما يقول الإسلاميون: إنه لا يمكن أن ندرس أي رأي أو أي نظرية إلا إذا كانت في المساحة التي أباحها الشرع, فلا تتعارض مع ما شرع الله -تبارك وتعالى-، فالإسلاميون يريدون أن يضعوا الإطار العام الذي يقول: إن الشريعة أولاً ثم بعد ذلك التجارب البشرية.

فإن قيل: إن التجارب البشرية مختلفة؛ فكيف نختار بينها؟!

نقول: لا بأس بآلية البرلمان أو بغيرها، لكن أهم شيء أن تثبت المرجعية العليا ثم الاختيار بين الأشياء.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …