أدب الاختلاف في الإسلام (2-3)

الرئيسية » بصائر تربوية » أدب الاختلاف في الإسلام (2-3)
182818_10150104043003324_516308323_6205676_2186587_a

آداب عامة ينبغى للمختلفين أن يراعوها:

1- العذر بالجهل: يقول ابن تيمية: وكثير من المؤمنين قد يجهل هذا فلا يكون كافرا (11-411).

وفي حديث ابن ماجة عن حذيفة "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها فيقول صلة بن زفر لحذيفة راوي الحديث ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم أقبل عليه في الثالثة فقال يا صلة تنجيهم من النار. ثلاثاً" رواه الحاكم.

وقد وقع في الديار الشيوعية وأيام سقوط الأندلس أشياء من هذا القبيل والله المستعان.

2 – العذر بالاجتهاد: يقول ابن تيمية أعذار الأئمة في الاجتهاد فليس أحد منهم يخالف حديثاً صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عمدا فلا بد له من عذر في تركه مضيفا: وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:

أحدها: عدم اعتقاده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله.

والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك.

والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ (20- 232).

وعذر المقلد من نوع عذر الجاهل يقول ابن عبد البر: ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها (جامع بيان العلم وفضله).

ويقول ابن تيمية: وتقليد العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور(19 - 262).

ويقول ابن القيم: فالعامي لا مذهب له لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال.

3- العذر باختلاف العلماء: عدم الإنكار في مسائل الاختلاف ومسائل الاجتهاد يقول ابن القيم: إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل فيها مجتهداً أو مقلدا. (إعلام الموقعين 3 - 365).

ويقول العز بن عبد السلام: من أتى شيئاً مختلفاً في تحريمه إن اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ المحلل ضعيفا (قواعد الأحكام 1-109) قال إمام الحرمين: ثم ليس للمجتهد أن يعترض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موقع الخلاف إذ كل مجتهد في الفروع مصيب عندنا ومن قال إن المصيب واحد فهو غير متعين عنده فيمتنع زجر أحد المجتهدين الآخر على المذهبين (الإرشاد ص 312).

4- الرفق في التعامل: والرفق أصل من أصول الدعوة ومبدأ من مبادئ الشريعة ففي حديث الرجل الذي بال في المسجد وزجره أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم عليه الصلاة والسلام قائلاً: لا تزرموه - أي لا تقطعوا بوله - وأتبعوه ذنوبا من ماء وقال للرجل إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذه القاذورات.

وحديث خوات بن جبير - رضي الله عنه - حين رآه مع نسوة فقال ماذا تبغي هاهنا قال التمس بعيراً لي شاردا. ثم حسن إسلامه وخلصت توبته فمازحه عليه الصلاة والسلام قائلا: ماذا فعل بعيرك الشارد قال: قيده الإسلام يا رسول الله.

وحديث الأعرابي الذي أعطاه فقال له أحسنت عليك فقال كلاما غير لائق فهم به الصحابة فنهاهم عليه الصلاة والسلام وأدخله في البيت فأعطاه ثم خرج به وقال هل أحسنت فقال أحسنت علي وفعلت وفعلت فضحك عليه الصلاة والسلام وضرب مثلاً بصاحب الراحلة الشاردة.

5- أن لا يتكلم بغير علم: قال تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: 36] لا بد من الإحاطة بما في المسألة قبل أن تخالف.

قل للذي يدعى علما ومعرفة           علمت شيئا وغابت عنك أشياء

فالعلم ذو كثرة في الصحف منتشر    وأنت يا خل لم تستكمل الصحفا

6- أدب مراعاة المصالح الشرعية في الإنكار: فإذا كان النهي سيؤدي إلى مفسدة أكبر أو سيضيع مصلحة أعظم فلا نهي ولا أمر ويفصل ابن تيمية ذلك في الفتاوى (20/58).

ولو كان قوم على بدعة أو فجور ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر أعظم مما هم عليه من ذلك ولم يمكن منعهم منه ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم ينهوا عنه (14/472).

فحيث كانت المفسدة للأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإن كان قد ترك واجبا وفعل محرما إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله وليس عليه هداهم. الاستقامة (2/211).

وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون فيكون ذلك من ذنوبهم وينكر عليه آخرون إنكاراً منهياً عنه فيكون ذلك من ذنوبهم فيحصل التفرق والاختلاف.

بعض فوائد الاختلاف المقبول:

وكما أسلفنا فإنه إذا التزمت حدود الاختلاف، وتأدب الناس بآدابه كان له بعض ‏الإيجابيات منها:

1- أنه يتيح - إذا صدقت النوايا - التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن أن يكون ‏الدليل رمى إليها بوجه من وجوه الأدلة.

‏2- وفي الاختلاف - بالوصف الذي ذكرناه - رياضة للأذهان، وتلاقح للآراء، وفتح ‏مجالات التفكير للوصول إلى سائر الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول إليها.

‏3- تعدد الحلول أمام صاحب كل واقعة ليهتدي إلى الحل المناسب للوضع الذي هو فيه ‏بما يتناسب ويسر هذا الدين الذي يتعامل مع الناس من واقع حياتهم.

4- إكساب الأفراد الثقة بالنفس والقدرة على المواجهة وإيجاد الحلول.

5- الاختلاف في الرأي رحمة لأنه من المستحيل حمل الناس على رأي واحد.

تلك الفوائد وغيرها يمكن أن تتحقق إذا بقي الاختلاف ضمن الحدود والآداب التي يجب ‏الحرص عليها ومراعاتها، ولكنه إذا جاوز حدوده، ولم تراع آدابه فتحول إلى جدال ‏وشقاق كان ظاهرة سلبية سيئة العواقب تحدث شرخاً في الأمة - وفيها ما يكفيها - ‏فيتحول الاختلاف من ظاهرة بناء إلى معاول للهدم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …