الاهتمام بالتربية الإيمانية.. من هنا نبدأ

الرئيسية » بصائر تربوية » الاهتمام بالتربية الإيمانية.. من هنا نبدأ
العبادة

للتربية الناجحة آثار إيجابية كبيرة تنعكس على جميع جوانب الدعوة، بدءاً من لحمة الصف وقوته، واختفاء المشاكل التي تهدد وحدته وانسجامه، إلى المساهمة بشكل كبير في إنجاح المشاريع، ومجاوزة التحديات والعراقيل المختلفة التي تواجه الدعوة خلال مسيرتها وعملها.

 

ويبرز دور التربية الإيمانية كنوع من أنواع التربية التي لابد أن تهتم بها الحركات الإسلامية، سواء من حيث إشعال جذوتها في نفوس أفرادها، و كذلك جعلها الدافع الرئيسي لتحركاتهم وأعمالهم، بحيث يربطون كل ما يقومون به بتحقيق رضا الله تعالى، والفوز بجنته ونيل الثواب في الآخرة. مما يحقق نتائج عظيمة ويحدث نهضة إيمانية داخل الصف الدعوي.

 

لماذا التربية الإيمانية

تستهدف التربية الإيمانية ربط الأفراد بأصول دعوتهم وما تستمد منه منهجيتها وفكرها، تماماً كما فعل الرسول –صلى الله عليه وسلم- مع صحابته رضوان الله عليهم، حيث رباهم على القرآن الكريم، فهماً وتلاوة وتدبراً، مما جعل معانيه وأحكامه تنغرس في نفوسهم وتنعكس على تصرفاتهم.
ولقد كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يهدف لإنشاء جيل فريد، يستطيع تحمل مشاق الدعوة ودفع تكاليفها، ويصبر على البلاء والعوائق التي تواجه مسيرتهم، وهو ما قام به خير قيام، حتى كان أولئك الصحابة رضي الله عنهم نبراساً منيراً نشروا الإسلام في أرجاء الأرض ليعم الخير العالم كله.

 

"لا يصح أن تكون التربية الإيمانية مهمشة، أو ثانوية في مقابل أمور أخرى، ومن الخطأ اعتبارها  مرحلة يتجاوزها الفرد، بحيث يصبح فوق التربية، مما يساهم في انحراف المرء وتأثره ببعض المعوقات"
وبناءً على ذلك، لا يصح أن تكون التربية الإيمانية مهمشة، أو ثانوية في مقابل أمور أخرى؛ لأن ذلك سيؤدي إلى ظهور العديد من المشاكل الداخلية والخارجية. ولهذا لا يمكن لأي تربية أن تنجح مالم تنطلق من قاعدة التربية الإيمانية، وتستشعر أهميتها طيلة الوقت.
ومن المفاهيم الخاطئة في هذا الصدد، أن نعتبر التربية الإيمانية مجرد عبارات جافة، أو سلوكيات شكلية، والأكثر خطأً أن نعتبرها مرحلة يتجاوزها الفرد، بحيث يصبح فوق التربية، مما يساهم في انحراف المرء وتأثره ببعض المعوقات. والأصل أن الفرد كلما علت مرتبته ومنزلته، زاد اهتمامه بالتربية وخصوصاً الإيمانية؛ لما في ذلك من أثر على سلوكه ومساعدة على تحقيق الاستقامة كما أراده الله. ولنستذكر ما دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وزوجته عائشة -رضي الله عنها-. فلقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم – كان إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه. فقالت عائشة له: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً).

 

مبررات الاهتمام بالتربية الإيمانية

"التربية الإيمانية تولد الطاقة والدافعية التي تعين على القيام بالواجبات الدعوية المختلفة، و تظهر داخل الصف الدعوي أبطالاً لا يرهبون بطشاً ولا عدواناً، ويضربون أروع الصور في الجهاد والتضحية"

التربية الإيمانية تولد الطاقة والدافعية التي تعين على القيام بالواجبات الدعوية المختلفة، و تظهر داخل الصف الدعوي أبطالاً لا يرهبون بطشاً ولا عدواناً، ويضربون أروع الصور في الجهاد والتضحية.

ويذكر أصحاب السيرة أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعوا يوماً فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود :أنا. قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا ً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإن الله سيمنعني. فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم رافعاً بها صوته، الرحمن علم القرآن. ثم استقبلها يقرؤها . فجعلت قريش تتأمله ويقولون : ماذا قال ابن أم عبد ؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك؛ فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا، قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون.
فانظر كيف جعل القرآن الكريم من ابن مسعود بطلاً يتجاوز كل العوائق والمخاوف، ويجهر بصوت الحق أمام رجالات قريش وزعمائهم، وما هذا كله إلا انعكاس للتربية الإيمانية التي جعلت التاريخ يسجل لابن مسعود هذا الموقف المشرف.

 

والتربية الإيمانية تنمي الوازع الداخلي الذي يضبط سلوك الصف المسلم، ويقوي وحدتهم، كما أن لها دوراً مهما في تحقيق المراجعة الذاتية، والاعتراف بالتقصير والخطأ حال حدوثه، لأنها تربي في المسلم الخوف من الله، ومحاسبة النفس. والسيرة النبوية تشهد عشرات القصص التي يأتي فيها الصحابة يعترفون ببعض أخطائهم ويسألون عن كيفية غفران الله لهم.

"التربية الإيمانية لا تعصم الأفراد من الوقوع في الأخطاء بالمطلق، لكنها حال وجودها ترسخ لدى الفرد وازعاً داخلياً يجعله يصحح خطأه بعد وقوعه، ويتجاوزه وكأن شيئاً لم يحدث"
لذا التربية الإيمانية لا تعصم الأفراد من الوقوع في الأخطاء بالمطلق، لكنها حال وجودها ترسخ لدى الفرد وازعاً داخلياً يجعله يصحح خطأه بعد وقوعه، ويتجاوزه وكأن شيئاً لم يحدث.

 

إضافة لما سبق فالتربية الإيمانية تنمي الإيجابية لدى الأفراد، وتحقق الذاتية الدعوية لهم، بحيث تجعل منهم أصحاب همم ومبادرات وعطاء، مما يعني القضاء على البطالة الدعوية وانتظار الأوامر للتحرك دون وجود دافع ذاتي، ولنتدبر قوله تعالى في وصف المؤمنين، حيث يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:57-61]. وهذه التربية الإيمانية هي التي جعلت من سعد بن خيثمة رضي الله عنهما، يستهم هو وأبوه على الخروج ليوم بدر، فلما خرج سهم سعد، قال له أبوه: يا بني آثرني اليوم، فقال سعد: يا أبتِ لو كان غير الجنة فعلت، فخرج سعد إلى بدر وبقي أبوه، فقُتِل بها سعد، وقُتِل أبوه خيثمة بعد ذلك في يوم أحد.
وهي أيضاً التي جعلت أنس بن النصر – رضي الله عنه- يستشهد في سبيل الله ضارباً أروع الأمثلة في البطولة والتضحية، حيث يروى عنه أنه أسف لعدم شهوده بدراً، فقال: والله لَئِنْ أراني الله مشهداً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرينَّ الله ما كيف أصنع، وصدق في وعده مع الله، حيث استشهد في أحد؛ ووجد فيه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، فلم تعرفه إلا أخته ببنانه.

 

والتربية الإيمانية تسهل على الدعاة توضيح المقاصد والغايات الدعوية التي تبغيها الدعوة، بغض النظر عن أذى الناس وتجاهلهم للدعوة، ومحاولتهم لحرف بوصلتها وتشويهها، امتثالاً لقوله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108].
فهي تجعل تحقيق مرضاة الله والسعي للتمكين لهذا الدين بين عينيه، لا تحيد بوصلته مهما كانت الظروف، ولا تؤثر على وجهته وطريقه، وهو ما عبر عنه خبيب بين عدي رضي الله عنه، قبل استشهاده حينما قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً                             على أيّ جنبٍ كان في الله مصرعي

"للتربية الإيمانية دور هام في صمود الدعوة أمام المحن والشدائد، وقلب موازين المعركة لصالحهم، وتحقيق الانتصار رغم قلة عددهم وضعف قوتهم. فقوة الإيمان تهب المؤمنين دافعاً يعجز عن إخماده أي شيء"

وللتربية الإيمانية دور هام في صمود الدعوة أمام المحن والشدائد، وقلب موازين المعركة لصالحهم، وتحقيق الانتصار رغم قلة عددهم وضعف قوتهم. فقوة الإيمان تهب المؤمنين دافعاً يعجز عن إخماده أي شيء، ويكفي أن نتدبر الآيتين التاليتين لنؤكد على ذلك:

{فلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:٢٤٩] {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173-174].
وختاماً فإن من مبررات الاهتمام بالتربية الإيمانية أن لها دوراً  في إقناع الآخرين والتأثير فيهم.  فالناس تحب أولئك الذين يخشون الله في تصرفاتهم، وتقبل عليهم وتلتف حولهم، وفي هذا المقام نستذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أصلح نفسك يصلح لك الناس.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …