الإخوان بين السياسة والدين.. أهو تدخل حزبى أم قيام بواجب إسلامى؟

الرئيسية » بصائر الفكر » الإخوان بين السياسة والدين.. أهو تدخل حزبى أم قيام بواجب إسلامى؟
2724_3

لا يريد كثير من الناس أن ينظروا إلى الحقائق إلا بمنظار مطموس بالغايات ملوث بالأهواء سودته الحزازات الحزبية، وتكاثفت على زجاجه الضغائن الشخصية، وما دام ذلك كذلك فلن يصل هذا إلى الحق وإن كان أوضح من النهار وأضوأ من الشمس المشرقة، فالهوى والحق لا يجتمعان، والغاية والإنصاف خصمان لدودان (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ)[المؤمنون: 71].

ولا يريد هذا الصنف من الناس أن يفهم أن الإسلام قد أفتى فى شئون الحياة جميعا، وتناول أمور الدنيا والآخرة بالبيان والإيضاح، ورسم للناس فيها حدودا إن اتبعوها فهم مسلمون صادقون وإن خرجوا عليها فهم آثمون مخالفون يقولون ما لا يفعلون، وما دام الإسلام قد بيّن للناس نظام الحكم وقواعده ووضح لهم حقوق الحاكم والمحكوم فى بيان شامل فاصل، فإن الإسلام بهذا قد ضرب فى صميم السياسة، وتناول أخص خصائص رجالها، وزج بأحكامه فى تيارها، وألزم الناس النزول على هذه الأحكام. وهل أوضح فى هذا من قول الله تبارك وتعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)[المائدة: 49-50].

وما دام الإسلام قد فرض على الناس أن يجهروا بالحق، وأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، وألا يقروا ظالما على ظلمه، وألا يستسلموا لجائر فى جوره، وأن يجاهدوا أمراءهم وحكامهم وأولى الرأى منهم فى سبيل إقامة موازين العدل حتى تقوم، وإعلاء كلمة الله حتى ترتفع على الرؤوس، وإظهار شعائر الإسلام حتى تسمو فوق كل منار، فهو بذلك قد فرض على المسلمين جميعا اليقظة السياسية، والتدخل فى شئون السياسة، وأعطى الأمة حق مراقبة قوادها وزعمائها وحكامها وأمرائها وملوكها ووزرائها وأهل النفوذ والرأى فيها، فما من كبير إلا والحق أكبر منه، وما من ضعيف إلا وهو أقوى الناس بحقه، وهل أوضح فى ذلك من قول الله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ*كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 78-79].

ومن قول الرسول (ص) "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"، فى أحاديث وآيات أكثر من أن يتسع لها كتاب، ما دام الإسلام يقول هذا-أيها الناس- فليس هناك شىء اسمه دين وآخر اسمه سياسة، وهى بدعة أوربية أراد خصومكم بها أن تفتر حماستكم للإسلام، وأن يصرفوكم عن نظمه إلى نظمهم الفاسدة، وليس هناك فى حقيقة الأمر إلا شىء واحد –هو شريعة الله التى صلح عليها أمر الدنيا والآخرة، ووضعت للناس أفضل النظم فى سياسة معاشهم، ومعادهم، وحكمهم، وقضائهم، وحربهم، وسلمهم، وأخذهم، وعطائهم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)[المائدة:3].

أيها الناس: ضعوا عن أبصاركم هذه المناظير الملونة التى قدمتها إليكم أوربا وروجها عليكم ساسة هذا العصر، وانظروا إلى الإسلام بنور الله الذى هداكم إليه فحبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم ترون ذلك جليا وتبصرونه واضحا، وتعلمون أن الحق فى جانب الإخوان المسلمين وأن الخطأ كل الخطأ فى نظرات الزعماء السياسيين الذين يفرقون بين السياسة والدين.

والحق -أيها الناس- أننا حين ننقد الحكومة أو الوفد لا نكره واحد منهما، ولا نعتبر هذا النقد معارضة إلا فى هذا العمل الذى نقدناه، وحين نؤيد واحدا منهما ونثنى على عمل حميد صدر منه فليس معنى هذا أننا معه أو مؤيدوه إلا فى هذا العمل وحده، ونحن على استعداد لأن نؤيد اليوم من نقدناه بالأمس إذا أحسن وأجاد، وأن ننقد اليوم من أيدناه بالأمس إذا اعوج والتوى، وليس ذلك بتلون منا ولا نفاق، ولكنه نزول على حكم الحق أينما كان، وليس هذا -أيها الناس- تدخل حزبى أو كيد سياسى، ولكنه أداء واجب دينى فرضه الله، هو واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهل آن أن نتفهم معا هذه الحقيقة فنتعاون جميعا على أن نرى الحق حقا ونتبعه والباطل باطلا فنجتنبه ونحاربه، ذلك ما نريد أن يفهمه الناس عنا، ويحملوا عليه كتاباتنا.

طالع نص المقالة في مجلة النذير عام 1938م

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …