حسن الظن بالناس علامة الفطرة السليمة (1 من 2)

الرئيسية » بصائر تربوية » حسن الظن بالناس علامة الفطرة السليمة (1 من 2)
images

تعريف حسن الظن لغة واصطلاحا

حسن الظن لغة:

الحسن: الحاء والسين والنون أصل واحدٌ، فالحسن ضد القبح، يقال: رجلٌ حسنٌ، وامرأة حسناء، وحُسانةٌ، والحسن: الجمال.

أما الظن في اللغة فإنه مصدر قولهم ظن يظن ظنا، وهو مأخوذ من مادة (ظ ن ن) التي تدل على معنيين: أحدهما اليقين والآخر الشك.

قال الراغب: الظن: اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جدا لم تتجاوز حد التوهم.

وقال ابن منظور: الظن شك ويقين، إلا أنه ليس بيقين عيان إنما هو يقين تدبر، فأما يقين العيان فلا يقال فيه إلا علم،

وفي التنزيل العزيز: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) [الحاقة: 20] أي علمت.

وقال الجوهري: الظن معروفٌ، وقد يُوضع موضع العلم.

الظن اصطلاحاً:

قال الكفوي: الظن: أخذ طرفي الشك بصفة الرجحان. وقال أيضًا: والراجح إن قاربه إمكان المرجوح يسمى ظنا، أو هو التردد بين طرفي الاعتقاد غير الجازم.

وقال ابن العربي: الظن تجويز أمرين في النفس لأحدهما ترجيح على الآخر.

وعلى هذا فحسن الظن ترجيح جانب الخير على جانب الشر.

دعوة الإسلام الناس إلى حسن الظن بعضهم ببعض

إن الإسلام دين يدعو إلى حسن الظن بالناس والابتعاد كل البعد عن سوء الظن بهم؛ لأن سرائر الناس ودواخلهم لا يعلمها إلا الله تعالى وحده، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) [الحجرات: 12].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله علية وسلم - قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا".

أخرجه أحمد 2/312(8103) و"البُخاري" 6064 وفي "الأدب المفرد" 410.

فسوء الظن يؤدي إلى الخصومات والعداوات ، وتقطع الصلات ، قال تعالى: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [النجم: 28].

ومن لطيف ما فُسرت به هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) [الحجرات: 12] الأصل في المؤمن ألا يظن في أخيه سوءًا، فإن حصل وظن به سوءًا جاء بعده النهي عن الظن (وَلَا تَجَسَّسُوا) [الحجرات: 12] أي لا تتجسسوا على الذي ظننتم به السوء من أجل التثبت من ظنكم، فإن حصل وظننتم وتجسستم جاء بعد ذلك قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) [الحجرات: 12] يعني ظننت وتجسست وثبت الأمر لديك فاستر ولا تفضح ولا تغتب ولا تنشر سر أخيك واستر عورته عسى الله أن يستر عورتك يوم تكشف العورات.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله كلامًا نفيسًا: "اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساوئ الغير، فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك.." إلى أن يقول: ".. وسبب تحريم سوء الظن أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل، imagesفعند ذلك لا يمكنك ألا تعتقد ما علمته وشاهدته، وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بإذنك ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق"، انتهى كلامه رحمه الله.

وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن سوء الظن يكون محرمًا إذا توافرت فيه ثلاث شروط:

أولها: أن يكون من يُساء به الظن مسلمًا.

ثانيها: أن يستقر سوء الظن في النفس وتصير التهمة التي يتهم المسلم أخاه بها شيئًا يترتب عليه أن يعامل المسلم أخاه حسبما استقر في نفسه.

ثالثها: أن يكون المتهم الذي يساء الظن به ظاهر الصلاح والعدالة بمعنى أنه غير مرتكب لكبيرة ولا مُصِرّ على صغيرة فيما يبدو للناس، أما فيما بينه وبين الله تعالى فلا دخل للعباد فيه.

فضل حسن الظن فى الدنيا والآخرة

ليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد.

إن حسن الظن يؤدي إلى سلامة الصدر وتدعيم روابط الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع، فلا تحمل الصدور غلاًّ ولا حقدًا، امتثالاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا...".

وإذا كان أبناء المجتمع بهذه الصورة المشرقة فإن أعداءهم لا يطمعون فيهم أبدًا، ولن يستطيعوا أن يتبعوا معهم سياستهم المعروفة: فرِّق تَسُد ؛ لأن القلوب متآلفة، والنفوس صافية.

إن الظن السيئ يدفع صاحبه لتتبع العورات والبحث عن الزلات والتنقيب عن السقطات، وهو بذلك يعرض نفسه لغضب الله وعقابه، وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المرضى بالفضيحة بقوله: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)).

وسوء الظن يزرع الشقاق بين المسلمين، ويقطع حبال الأخوة، ويمزق وشائج الألفة والمحبة، ويزرع البغضاء والشقاء، والله يحذرنا من ذلك بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: 12]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا ظننت فلا تحقق)).

وفى كتب التراث اهتمام بهذا الجانب العظيم من أخلاقيات الإسلام فقد كتب على بن محمد المصري كتاباً سماه (الأكياس فى حسن الظن بالناس) وهو من أنفع الكتب فى مجاله.

قال رحمه الله: (أول وصية عليكم أيها الإخوان بحسن الظن بالمسلمين ما استطعتم) أى الزموا حسن الظن بالمسلمين فإنه باب من أبواب الخير.

فقد روى أبو داود وحسنه أبى هريرة رضى الله عنهما: "حسن الظن من حسن العبادة"، وفى رواية: "من حسن عبادة المرء حسن ظنه".

وأقوال السلف والخلف فى مدح حسن الظن والحث عليه كثيرة: وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: "من أحب أن يختم له بخير فليحسن الظن بالناس".

وقال بشر الحافي: "من سره أن يسلم فليلزم الصمت وحسن الظن بالخلق".

وقال الإمام على بن محمد الشهير بالمصري رحمه الله: إذا رأيتم واعظاً يدعو الناس إلى الخير فإياكم أن تظنوا إنه لا يعمل بما يقول، بل ظنوا أنه متخلق بما دعاكم إليه، إنه ما دعاكم إلى الإخلاص إلا بعد أن أخلص ولا على الزهد إلا بعد أن زهد، ولا إلى غير ذلك إلا إذا كان متخلقاً به.

فإن المسلم بناء على ذلك مأمور بأن يحسن الظن بإخوانه، وأن يحمل ما يصدر عنهم من قول أو فعل على محمل حسن ما لم يتحول الظن إلى يقين جازم، فالله عز وجل أمرنا بالتثبت فيما يصدر من الغير نحونا ونحو إخواننا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6] فكم أوقع سوء الظن السيئ من فراق بين المتحابين، وقطيعة بين المتواصلين، ولو لم يكن الظن على درجة عظيمة من الخطورة والأهمية في إضعاف روح الموالاة بين المؤمنين لما أكد الباري عز وجل على ذلك في الكتاب والسنة.

عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله علية وسلم - قَالَ: "إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لاَ أَدْرِى أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ، أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ". أخرجه"أحمد" 2/272(7671) و"البُخاري" في "الأدب المفرد" 759 و"مسلم." 6776.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • حسن الظن
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

    من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …