بصيرتنا.. القرآن مأدبة الله لعباده

الرئيسية » بصائر تربوية » بصيرتنا.. القرآن مأدبة الله لعباده
??????

الحمد لله الذي أنار قلوب عباده المتقين بنور كتابه المبين، وجعل القرآنَ شفاءً لما في الصدور، وهدىً ورحمةً للمؤمنين، والصلاة والسلام على سيد الحافظين وقدوة المتقين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين..

فإن القرآن الكريم كتاب الإسلام الخالد، ومعجزته الكبرى، وهداية للناس أجمعين، قال تعالى: {الر ۚ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}،(إبراهيم:1) من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم. فيه تقويم للسلوك، وتنظيم للحياة، من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن أعرض عنه وطلب الهدى في غيره فقد ضل ضلالاً بعيداً.

 القرآن مأدبة الله لعباده، ورحمةٌ منه للناس أجمعين، (والقرآن حجة لك أو عليك)،[رواه مسلم].

أخي الحبيب:

هل اشتاقت روحك لتلاوة أعطر الآيات من كتاب الله؟ هل خصَّصت لهذا الكتاب العظيم وقتاً من يومك؟ متى كانت آخر مرة ختمت فيها القرآن؟ ما مدى تأثرك بكلام الله؟ أسئلة كثيرة تدل إجاباتها على مدى اتصالنا بكلام الرحمن، وتكشف لنا حقيقة ما عندنا من الإيمان.

 الاتصال بكتاب الله يحيي القلب، ويبث الإيمان، ويربط الروح بالله، ويطمئن النفس، ويزيد الأنس، ويمتع النظر، ويحفظ القلب من الآثام، ويشغل الفكر بما يفيده في الدنيا والآخرة، ويحميه من الأفكار والخيالات الفاسدة.

مهما كان انشغالنا، وازدحام الأعمال بين يدينا، وتراكم المهام في دفتر يومياتنا، فلا يصح أبداً أن ننشغل بشيء -مهما كان- عن تلاوة كلام ربنا، والاتصال بآياته المحكمة وعظاته المؤثرة.

 أي خسران هذا، وأي غبن نقع فيه عندما ننشغل عن كتاب الله بما هو دونه، بزعم أنه لا وقت لدينا، مع علمنا بجزيل الثواب لمن يتلو آيات الكتاب، فكلنا يعلم أن الحرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، فكل حرف بعشر حسنات!

لكن المصيبة أن هذا الغبن لا يظهر إلا في يوم التغابن، يوم توزن الحسنات والسيئات بميزان القسط الذي يبين فيه مثقال الذرة {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}،(الأنبياء:47) ذلك اليوم الذي يقول فيه العبد (يا ليتني قدمت لحياتي).

أيصح أن يكون أحدنا داعية، أو طالب علم، أو إماماً، أو ملتزماً بدين الله، وتمر عليه الأسابيع لم يفتح فيها مصحفاً، ولم يقرأ فيها جزءاً واحداً، ولا عهد له بختم القرآن إلا في رمضان الماضي؟!

 قال عثمان رضي الله عنه: "لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم"..

أخي الحبيب.. هنالك صنف من الناس اختصهم الله ورفع قدرهم، هل تعرف من هم؟ إنهم أهل القرآن.. فهل أنت منهم؟

روى ابن ماجة (215) وأحمد (11870) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: (هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ) وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجة".

أهل القرآن هم الذين جعلوا القرآن منهج حياتهم، وقيام أخلاقهم، ومصدر عزتهم واطمئنانهم.. هم الذين أعطوا كتاب الله تعالى حقه.. حقه في التلاوة والحفظ، وحقه في التدبر والفهم، وحقه في الامتثال والعمل.. رفعوا قدر القرآن في نفوسهم، فرفع الله قدرهم، وجعل من إجلاله إكرامهم.. روى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)، رواه أبو داود (4843) وحسنه النووي في "رياض الصالحين" (رقم/358)، والشيخ الألباني في "صحيح أبي داود".

ففضلهم ليس كفضل أحد، وعزهم ليس كعز أحد.. إكرامك من إكرام الله، فما أعظمها من منزله.. وما أرفعه من وسام

إن حق القرآن علينا كبير، وواجبنا نحوه عظيم..

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: "مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَلْيَعْرِضْ نَفْسَهُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَإِنْ أَحَبَّ الْقُرْآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّمَا الْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ أَحَبَّ الْقُرْآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.

قال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) رواه البخاري (5027). وفي رواية له: (إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ). فهو أفضل القربات، وأكمل الطاعات.. عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيُّ، قَالَ: "كُنْتُ جَارًا لِخَبَّابٍ فَخَرَجْنَا يَوْمًا مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي، فَقَالَ: يَا هَنَاهْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّكَ لَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلامِهِ، يَعْنِي الْقُرْآنَ".

أخي الحبيب: إذا اردت أن تكون من أهل القرآن، وممن يحسنون صحبة القرآن، فاحرص على النقاط الآتية:

أولاً: تعلّم تلاوته وتجويده، وكيفية النطق بكلماته وحروفه. عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم: (الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ)،[رواه مسلم]. والمحافظة على تلاوته وترتيله من التجارة التي لا تبور، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}،[فاطر:29].

فاحرص على المشاركة في دورات التجويد وخاصة الدورة التمهيدية، ولتعلم أنّ مشاركتك في الدورة التمهيدية بالحد الأدنى هو من باب الوجوب، فقد نقل الشيخ الحصري في كتابه أحكام قراءة القرآن الكريم أقوال العلماء في حكم التلاوة والتجويد فقال: "إن العلماء اعتبروا تطبيق قواعد التجويد الأساسية تعد من الوجوب العيني على قارئ القرآن، وقد أجمعت الأمة على وجوب قراءة القرآن الكريم مجوّدة، ومعظم علماء التجويد على أن المقصود عنا الواجب الشرعي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه" (بتصرف).

 ثانياً: أن يكون لك ورد يومي لا تتخلف عنه أبداً يفضي بك الى ختم كتاب الله تعالى بصورة دورية. ولتكن قراءتك للقرآن بتدبر وخشوع، تقف حيث يحسن الوقوف، وتصل حيث يحسن الوصل، إن مررت بآية وعد سألت الله من فضله، وإن مررت بآية وعيد تعوذت، وإن مررت بآية تسبيح سبحت، وإن مررت بسجدة سجدت..

ثالثاً: اجتهد في تحسين صوتك بالقرآن، والتغني به، عنْ أبي هُريرة رضِي الله عنه قال: قالَ رسُول اللهِ صلى الله عليِه وسلَّم: "ما أذِن اللهُ لشيءِ ما أذِن لنبّي أنْ يتغَنى بالقُرآن"، رواهُ البخاري. ومعنى {أذن}: أي استمع.

رابعاً: ليكن لديك نصيب وافر من قراءتك وقيامك، فهو وقت الأخيار، وغنيمة الأبرار، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ أَتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ..)،[متفق عليه].

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}،[الإسراء:79].

فالقرآن الكريم غنيمة أصحاب الهمم العالية، والعزائم الصادقة.. لهم من رسول الله بشارة السلامة من النار، فعن عصمة بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله في النار)، رواه البيهقي وحسنه الألباني.

فإن قصرت همتك عن حفظه كله فاحذر أن تكون ممن قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب)، رواه الترمذي والدارمي.

خامساً: إقامة حدوده والعمل به، والتخلق بأخلاقه، وتحكيمه.. فعن سمرة بن جندب (أن النبي رأى في منامه رجلاً مضطجعاً على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه.. فسأله عنه.. فقيل له: إنه رجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به الى يوم القيامة..)، [رواه البخاري].

 وفي الختام أخي الحبيب هذه بعض التوصيات التي تعينك على ذلك بإذن الله لتكون ممن أحسنوا صحبة القرآن، فاستحقوا بإذن الله أن يكونوا من أهل الله وخاصته:

- اشتر مصحفاً صغيراً (مصحف الجيب)، واجعله رفيقك أينما حللت وحيثما ارتحلت، فذلك أدعى للارتباط بكتاب الله، فلو كان اهتمامنا باصطحاب المصحف معنا أينما كنا كاهتمامنا باصطحاب الهاتف الجوال لتغيرت أحوالنا!

- الإنصات التام عند سماع القرآن من أهم أسباب الانتفاع به ولا حرج على المرء في تخير الصوت الحسن المؤثر، سأل رجل أحمد بن حنبل عن الصلاة في المسجد البعيد عن الحي، فقال له الإمام: "انظر ما هو أنفع لقلبك"، وليكن لك ختمة سماع في سيارتك تحرص على الاستماع لها بشكل متسلسل دائماً في سيارتك.

وأخيراً يا أيها الآباء ويا أيها المربون، استوصوا بالأجيال خيراً، نشؤوها على حُبِّ كتاب ربها، علموها العيش في رحابه، والاغتراف من معينه الذي لا ينضب، فالخير كل الخير فيه، وتعاهدوا ما أودع الله بين أيديكم من الأمانات، بتربيتها تربية قرآنية، كي تسعدوا في الدنيا قبل الآخرة، فما هانت أمة الإسلام إلا بهجرها لكتاب ربها وبعدها عنه. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وحبِّب أبناءنا تلاوته وحفظه والتمسك به، واجعله نوراً على درب حياتهم، آمين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …