صرخة في جنبات اليرموك المحاصر

الرئيسية » حصاد الفكر » صرخة في جنبات اليرموك المحاصر
2

ثم قست قلوبكم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.. وإذا قست القلوب فلا شيء يمنعها من ارتكاب ما لا يخطر على بال إنسان سَوِيّ، ولا يمكن بعدها تصنيف من يفعل ذلك أو يرضى به أنه يمت لأبناء آدم بصلة سوى أنه من "الأشياء البشرية" المتوارثة عن قابيل.. ولا عجب أن نشهد من سادِيَّتهم ما يعجز عن الوصف، كالذي يجري الآن في سجون ومعتقلات الطاغية المجرم بشار الأسد وعصابته، وما يمارسونه من جرائم ببراميلهم المتفجرة وسلاحهم الكيماوي وصواريخهم البالستية التي يستهدف بها المدنيين الآمنين ولا يسلم من شرها بشر ولا حجر ولا شجر.

وإلى جانب تلك الأسلحة سلاح لا يقل فظاعة عن ترسانة الإجرام التي يتفنن أولئك في تجربتها على ضحاياهم ومن ذلك فرض حصار مطبق على مدن وبلدات وقرى ومخيمات، يتم معه قطع كل أسباب الحياة من ماء وغذاء ودواء ووقود وكهرباء، ومع كل ثانية تمر يبدأ المخزون بالنفاد ليبدأ بعدها الضحايا بالتململ والاضطراب، ومع عضة الجوع القاسية لا يملك الآباء والأمهات المتماسكون إلا الخضوع والاستسلام لصرخات أبنائهم الجوعى، فيقدمون على ما يشبه العمل الانتحاري بتجاوز كل الخطوط الأمنية الحمراء من أجل الحصول على كِسرة لأطفالهم، يضطرهم ذلك إلى الخروج من بيوتهم المحاصرة، والبحث عمَّا يسد الرمق من خشاش الأرض، وعندها يطل الوجه القبيح المتربص خلف متاريس الموت ليقنص ببندقيته كل من تقع عليه عينه.. فيسقط الضحايا الذين بالرصاص بعد أن كانوا في دائرة استهداف غول الجوع.

ينتشي القتلة، ويرتفع زعيقهم، وتزداد شهيتهم للمزيد من الدماء ورؤية الجثث والأشلاء، لقد تم القضاء على الوالد الذي يبحث عن لقمة لأبنائه، وهو ما يعني قطعاً القضاء على الذين تركهم خلفه من الأبناء جوعاً بعد فقدهم لعائلهم، وقد تم القضاء على الابن الذي سعى لجلب لقمة أو دواء لأبيه أو جده، ولن يطول الوقت حتى يلحق به الأب والجد والأم والجدة بعد فقدهم لمعيلهم..

يتنادى الجياع فيما بينهم لاقتسام ما بقي، وما بقي إلا القليل، وفي تلك اللحظات العصيبة تصلهم أصوات جحافل المتفرجين على مأساتهم من أمة المليار ونصف لتقول لهم: عليكم بالقطط والكلاب، ولو ضاقت عليكم أكثر فالفئران!! ومع اشتداد الحصار وازدياد الكرب لا يجد المحاصرون بداً من اللجوء لخيارِ من أشرَفَ على الموت -مع أنهم يذوقونه كل لحظة مرات ومرات- فيطاردون القطط والكلاب المحاصرة معهم، لتلقى مصيرها المحتوم على أيدي جياع المخيم وتلحق بقوافل الضحايا لذلك الحصار المجرم الآثم. ولا ملام ولا حرج على من ألجأه خذلان البشر له إلى هذا الفعل، كي يستبقي حياته كيداً في الذين أرادوا إزهاقها وإغاظة للمتربصين بها. لكنها ثمرة الظلم والإجرام، تطال كل شيء حتى الحجر والشجر والدواب.

إنه الظلم يتجلى بأبشع صوره ليرينا كيف يتعدى فعله إلى كل شيء، فعسى ولعل أحداً ممن لا يبصر معاناة النفس البشرية أو يشعر بها أن تتحرك مشاعره وأحاسيسه للمأساة التي تشمل فيما تشمله القطط والكلاب والحيوانات وكل شيء.. وعسى أن يكون في ذلك رادع لمن استهان بالظلم أو أقر به، فبقدر ما يجلبه الظلم من وبال على الخليقة أجمع بقدر ما يدَّخر الله للظالمين العقوبة والقصاص.. لقد توعدهم بما يتناسب مع حجم إجرامهم وبغيهم فقال: " سيصيب الذين أجرموا صَغَارٌ عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون".. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حال الظالمين المجرمين وكيف تكون نهايتهم بقوله في حديث أبي قَتَادَةَ أنه كان يُحَدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجِنازةٍ، فقال: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. قالوا يا رسول الله مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ منه؟ قال الْعبدُ المؤمن يَستريحُ من نَصَبِ الدنيا وأَذاها إلى رحمة اللَّه والعبدُ الفاجرُ يستريحُ منهُ العبادُ والبلادُ والشَّجرُ والدَّوابُّ. رواه البخاري في صحيحه.

ألا.. طوبى لمن يريح البلاد والعباد من أولئك الظلمة الفجرة المجرمين، طوبى لمن يجاهد بنفسه أو بماله أو بيده أوبلسانه أوبقلمه أو حتى بقلبه. طوبى لمن نذر روحه وحياته لمقارعة الظلم والظُّلام ولم تحد بوصلته أبداً عن ذلك الهدف.

أما أولئك الذين يُنَظِّرون للهزيمة النفسية، ويُقعِّدون للتقاعس عن ردع الظالمين والطغاة المجرمين، وترك الظلم وأهله، والاكتفاء بالمحاولات الخجولة لإنقاذ الضحايا، فليس أبلغ من ردّ الصحابي الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه- عليهم بقوله لرجل قال عنده: إن الظالم لا يظلم إلا نفسه، فقال له: كذبتَ، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن الحُبَارَى لَتَمُوتُ في وَكْرِهَا مِنْ ظُلْمِ الظالم"!

قال العلماء: إنما خصَّ الحبارى بالذكر لأنها أبعد الطير طلباً للرزق. ومع ذلك يرزقها الله تعالى في أوكارها حتى يلحقها شؤم معصية العاصين من البشر، فتحرم الرزق بسببهم.

وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: "كاد الضب أن يموت في جحره هولاً من ظلم ابن آدم".

إن الله تعالى أخبرنا أنه "لا يحب الظالمين" كي نبغضهم ونخلص قلوبنا من أي شائبة حب أو ميل أو ولاء لهم. وأخبرنا أن "الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين" كي نتبرأ منهم ونتقي الله حق تقاته بالحيدة عن طرقهم ومخالفة مسالكهم ودروبهم. وقال في كتابه المجيد: "ألا لعنة الله على الظالمين" كي نلعنهم ونلعن ذكرهم وسيرتهم ولا نقع في حبائلهم.. وليس أظلم ولا أطغى وأفجر من عصابة الإجرام الجاثمة على أرض سورية الجريحة، ولا هناك أظلم وأطغى وأفجر ممن ساند تلك العصابة ولو بشق كلمة، أو صمت صمت القبور على ما يجري. ورحم الله والدي الشاعر يحيى برزق رحمه الله الذي نبه لخطرهم وحذر منهم مبكراً مستشرفاً ما سيحدث فقال:

دمشق والليل قد أرخى ستائره .. ونُكِّست فيك للتاريخ أعلام

عذراً إذا جئت يا أماه مرتعداً .. فالنور تسحقه يا أم أقدام

والثائرون يسام الخسف جمعهم .. والأرض يسلمها لص وخدام

أمات كوهين حقاً أم مضى وأتى .. ليحكم الشام باسم البعث حاخام؟

بالأمس كان لنا اليرموك مفخرة .. واليوم أهلي في اليرموك أيتام

دمشق والجرح في قلبي وفي كبدي .. وفيك تعبد دون الله أصنام

ولم تزل صيحة الأطفال تذعرني .. أكلّ يوم لنا في الدَّمِّ حَمَّامُ؟

والعُرب من حولنا كالنمل عدُّهُم .. لكنهم عند دفع الضيم أرقام

عودي كما كنت يا فيحاء قلعتنا .. فشعبك الحرُّ لا يعييه ظلام

وأنت علمتنا كيف النضال فما .. ننساك يا أمنا الزهراء يا شام

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التهويد في القدس

بعد مضي 52 عاما على الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وكامل مدينة القدس، لا تزال المدينة …