المصلحة العامة وأثرها في وحدة الصف الإسلامي

الرئيسية » حصاد الفكر » المصلحة العامة وأثرها في وحدة الصف الإسلامي
Thumbmail2013-07-24+15-18-36.1413

لقد جاء الإسلام والناس يعيشون في فرقة وتمزق وشتات، ويعيشون حالة من الفوضى في الدماء والأموال والأعراض والحقوق، إلا أن ذلك لم يكن مانعاً لهم من أن يكون لهم حلفاً يجمعهم ضد عدوهم، ويوحد كلمتهم فيما بينهم، ويكون سبباً في نصرة مظلومهم، ويحفظ للجميع حقوقهم، ولاشك أن هذا عين العقل والحكمة، وقد جاء الإسلام مؤكداً على هذه الأصول الإجتماعية الهامة، لأن في ذلك تحقيق لمبدأ التعايش الإنساني في الأمة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت).! وهذا الحلف: هو حلف الفضول، الذي قصد منه مناصرة المظلوم، وإعانة المحروم والحاج والمنقطع، ونحو ذلك من الأمور التي لا تخالف شرع الله عز وجل.

لقد أستحضر الجاهليون - مع جهلهم بالشرائع السماوية - قاعدة المصلحة والمفسدة من أجل حفظ هذه الأخلاق الكريمة والخصال النبيلة في حياتهم، وهذا التفكير الإيجابي منهم يبعثنا على التساؤل عن الأسباب التي ألجأتهم إلى ذلك؟.

ولا مانع أن نستفيد من غيرنا وإن خالفنا المنهج والطريق، فالميزان الشرعي لا يقتضي الإجحاف في حق الآخرين وتهميش ما عندهم. وبنظرة عميقه في الأسباب التي حولتهم إلى شريعة الإنسانية الفطرية فضلاً عن كونها من صميم الدين وركائزه التي يجهلونها، فإن الحامل لهم على ذلك هو إيجاد مصلحة التعايش وما يترتب عليها، ودفع ما يضادها ويصادم مبادئها.

ما أحوجنا اليوم إلى هذا البند المركزي داخل مصاف التيارات الإسلامية: (الحرص على المصلحة العامة وتغليبها في محور التعايش المذهبي والفكري، ودفع ما يصادم ذلك وينقضه )!. بمعنى أن هناك مساحات كلية تهم الجميع من شأنها أن توحد الصف الإسلامي، وتلملم شعثه دون حاجة إلى هذا النزيف الفكري المؤلم الناتج عن الخلط بين الكلي والجزئي في مسائل الإسلام وشرائعه، وهنا ندرك أن الأخطار التي تحيق بطرف إسلامي معين هي في حقيقتها خطر على بقية الأطراف، لأن الإسلام واحد لا يتعدد، والعداء الذي نصب للمسلمين في أي جهة كانوا، وفي أي قطر حلوا إنما كان لأجل ما يحملونه من عقيدة وقيم ومبادئ غرسها ونماها هذا الدين.

لقد سمعنا في محاضرات شتى ودورس كثيرة عن فقه المصلحة والمفسده، وقمنا بعملية التطبيق في باب العبادات والبيوع، وكذلك في أبواب الجهاد والحدود وغيرها، لكننا لم نقم بمحاولة يسيرة في تطبيق ذلك في باب (فقه الخلاف مع الآخر، والآخر القريب)!. ذلك أن الإعتداد الذاتي أو الجماعي يسيطر على تصرفاتنا الإيجابية نحو الآخر، ويجعلنا في جمود وتقوقع يمنعنا من الإتصال المباشر به، وفي أحيان كثيرة ندرك أن لا خلاف بيننا، غير أن العناد والغرور وحب التغطرس يحجبنا عن فضيلة الإجتماع (قال أنا خير منه) قال سبحانه (فاخرج منها) في الجنة لا يوجد مكان للقلوب المريضة.

ولذا تأسف كثيراً حين ترى جماعةً محسوبةً على الدين والإسلام تفرح وتسعد لكبوة حصلت من جماعة إسلامية أخرى، ويزداد ألمك وحزنك حين ترى صفحات المواقع الإلكترونية التي تمثل تلك الجهة تزف مئات الكلمات، وتسطر عشرات المقالات في نقد تلك الجماعة نقداً ذاتياً تشعر من خلاله بلذة التشفي والسخرية والإستهزاء!.

ومع أن الخطأ حاصل من الجهة المنقودة إلا أن المبالغة في نقد أصحابها بهذه الصورة يفسد ولا يصلح (والله لا يحب المفسدين) وشر المفسدين ذاك الذي يأتي بثوب صلاح وتقى!.

إن الصف الإسلامي اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة حشد وترتيب، لأن الحملة على الإسلام أعظم من أن تصور في مقال، والجميع - قيادات وقامات الإسلام من العلماء والمفكرين وقواعدهم - يدركون خطورة هذه الحملة، ويدركون أن المواجهة لابد أن تكون بحجم القوة المعادية وزيادة، إلا أن حب الأثرة، والركون إلى النفس، والإنحصار خلف أقبية الماضي وخلافاته المشينة انتصرت على مصلحة الإجتماع والألفة بين أبناء التيار الإسلامي، وجعلت درء المفسدة مقيدة بأحوال لا تتعدى الكيان الجمعي الصغير، مع أن الأحلام الشابة لا ترضى بغير مظلة الإسلام التي تسعُ الجميع بمرونتها وحكمتها وتوسطها واعتدالها.

ياقادة العُرْب والإسلام قاطبةً

لمو الجهود فإن الوقت قد ذهبَ

لا ينصر الله أشياعاً مفرقةٍ

من سره النور فليجمع له الحطبَ

إذا أدرك الإسلاميون أهمية تغليب مصلحة الأمة في حفظ هويتها من الإنحرافات العقدية والأخلاقية والفكرية، وأهمية درء مفسدة ماهو في الإطار السلبي السابق الذي اتحدت على رسم سبله فرق الضلال والهوى، وجماعات الفساد والغي، سينعم الإسلاميون حينها بالأمن والهدى الذي يرسو على سفينة التوحيد: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، وستذوب حينها الخلافات الشخصية والخلافات ذات الإطار الفئوي المحصور، وستسقى شجرتهم بمياه العدل والإنصاف الذي يجعل كل الأطراف تعترف بالخطأ الذي كان سبباً في تعثر المشروع الإسلامي العظيم، وكان وسيلة لنهضة المشاريع الصغيرة، سواء كان شعارها طائفياً أو مناطقياً أو علمانياً، أو غير ذلك من وجوه الإنحراف والسقوط !.

ولاشك أن هذا الإعتراف لا يكفي.. بل لابد من المبادرات التي تحمي بيضة الإسلام وأهله، وتعيد الخير والسؤدد للأمة، وتدعوا للإستمرار والمواجهة العادلة والمنضبطة، وفي هذا يكون الخير المنتظر، والنصر المكين المظفر.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الانتخابات مدخلاً لإصلاح البيت الفلسطيني؟!

تداولت الأوساط الفلسطينية بارتياح تطورات الحوار بين فتح وحماس في إسطنبول، التي يبدو أنها قطعت …