محمد قطب.. مدرسة تجديدية تجاوزت الساحة الصحوية

الرئيسية » بصائر الفكر » محمد قطب.. مدرسة تجديدية تجاوزت الساحة الصحوية
A718cR7CEAAD1CF

ما يقرب من مئة عام عاشها؛ تحول فيها إلى مدرسة تجديدية متكاملة تجاوزت في نطاق الاطلاع عليها وتأثيرها على الأوساط الفكرية والثقافية المختلفة، وكذلك العامة، نطاق مدرسة الإخوان المسلمين ومن ينتمون للتيار الدعوي الصحوي؛ حيث كان علّامة لدى الكثيرين ممن لا ينتمون حتى إلى "التيار الإسلامي الحركي". ناهيك بعض أبناء التيارات الأخرى، من العلمانيين والليبراليين، الذين وجدوا فيه تنويرًا وانفتاحًا يخرج عن إطار المدارس الفكرية التقليدية.

تكونت أفكار قطب ومدرسته من خلال مجموعة من الروافد، وتعرضت للعديد من التأثيرات التي كان لها أبلغ الأثر في تشكيل اهتماماته واهتمامات مدرسته الفكرية التي أخرجت إلى النور ما يقرب من أربعين كتابًا تناولت مختلف القضايا الفكرية والسياسية العامة التي عرضت على الأمة خلال الأجيال التي عاشها قطب مفكرًا وداعية.

وبالرغم من تعدد هذه الروافد والتأثيرات؛ إلا أنها كانت لها منبعًا واحدًا ذا طبيعة مزدوجَة، وهو أحد أهم المؤثرات التي أخرجت مدارس "الإسلام الحركي" المختلفة التي ظهرت بين ظهرانيي الأمة، في مصر، وفي تركيا، وفي باكستان، وفي مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي، مثل الإخوان المسلمين، وحركة بديع الزمان النورسي، وغيرها.

هذا المنبع المزدوِج الطبيعة، كان انهيار دولة الخلافة الإسلامية الجامعة، وانسياح التيارات التغريبية بين أرجاء المجتمعات العربية والإسلامية، كرافد فكري وثقافي مهم لدعم الاستعمار وقوى الاستكبار العالمي، في مختلف صورها، المباشرة وغير المباشرة.

هذا الرافد انطلق من منطلق مبدئيٍّ شديد الأهمية، وهو أن الأمة الآن تعيش واحدةً من أسوأ فترات الضعف التي مرت بها عبر التاريخ، وأنه مع زوال درع الخلافة الجامع الواقي لها؛ فإنه من الأهمية بمكان العمل على إعادة إحياء هوية الأمة في نفوس أبنائها؛ لتكون هي الدرع الحامي لها لحين استعادة دولة الخلافة، وتوحيد الصف الإسلامي، سياسيًّا واجتماعيًّا، وعلى مختلف المستويات.

ويشمل ذلك التنوير بالمخاطر الحالية المحدقة بها، والمطلوب من كل طرف في هذه المجتمعات، التي تتعرض لأسوأ ألوان الغزو والاستغلال من جانب قوى الاستكبار العالمي، والتي تستهدفها دينًا وفكرًا وحضارةً.

وفي هذا الإطار، كان قطب ورموز أخرى، مثل حسن البنا ومحمد الغزالي وأبو الأعلى المودودي وغيرهم، هم المعادل الفكري والعملي الإسلامي، للنخبة الفكرية والثقافية التي ظهرت في العالم العربي والإسلامي في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين الميلاديَّيْن، والتي تأثرت، بسبب الهجرة لظروف وأسباب سياسية، أو البعثات التعليمية وغيرها.

هذا على المستوى العام للروافد التي شكلت مدرسة محمد قطب التجديدية، أما على المستوى الخاص؛ فإنه، ومن خلال أحاديث مختلفة له؛ كان ابنًا بارًّا لأفكار شقيقه الراحل، الشهيد سيد قطب.

ويقول محمد قطب في ذلك: "لقد عايشت أفكار سيد بكل اتجاهاته منذ تفتح ذهني للوعي، ولما بلغت المرحلة الثانوية، جُعل يشركني في مجالات تفكيره، ويتيح لي فرصة المناقشة لمختلف الموضوعات ولذلك امتزجت أفكارنا وأرواحنا امتزاجًا كبيرًا، بالإضافة إلى علاقة الأخوة والنشأة في الأسرة الواحدة وما يهيئه ذلك من تقارب وتجاوب.

اتجاهات عامة لمدرسته الفكرية:

"اتجه محمد قطب في كتاباته اتجاهين رئيسيين: حيث كان الأول يتعلق بتفنيد المحتوى الفكري للطرح الحضاري الغربي، بينما اختص الثاني بتقديم البديل الإسلامي وتصوره الشامل للحضارة الإنسانية"

في الإطار السابق، اتجه محمد قطب في كتاباته ونشاطه الفكري، اتجاهَيْن أساسيَّيْن؛ أما الاتجاه الأول؛ فكان تفنيد ما جاء في المحتوى الفكري للطرح الحضاري الغربي، ورؤية الحضارة الغربية، المسيحية اليهودية، للحضارة الإنسانية، وصيروراتها، بينما الاتجاه الثاني اهتم فيه بتقديم البديل الإسلامي وتصوره الشامل للحضارة الإنسانية، انطلاقًا من الأركان القيمية والأخلاقية التي يقف عليها الإسلام وتصوراته للعالم والكون.

اتسمت مدرسة محمد قطب التجديدية بعدد من السمات، أهمها الشمول في الرؤية والطرح؛ حيث تناول العديد من القضايا المعروضة على الساحة الفكرية الإسلامية.

كذلك لم يقف شيخنا محمد قطب عند حد التنظير؛ حيث له الكثير من الكتابات التي تصدى فيها للواقع الإسلامي، طارحًا العديد من الحلول للمشكلات القائمة، والتي تجاوزت في قبولها الإطار الصحوي الوسطي، ومدرسة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها ونشأ فيها، إلى آفاق أخرى أرحب.

وليس أدل على عموم مدرسة محمد قطب، واستقطابها لمجموعات أخرى من خارج مدرسة التيار الصحوي الحركي الذي يمثله الإخوان المسلمون، الفترة الطويلة التي عاشها في المملكة العربية السعودية، والتي استطاع فيها تأسيس مدرسة إسلامية حركية متكاملة، داخل الوسط الأكاديمي السعودي، بالرغم من أن المجتمع السعودي ينتمي تقليديًّا إلى المدرسة السلفية الوهابية.

كذلك كان محمد قطب رائدًا في طرح مسألة "أسلمة" العلوم الاجتماعية والإنسانية، مثل علم النفس والاجتماع والتربية والاقتصاد؛ حيث أشار إلى أن التصور الغربي لهذه العلوم، ينطلق من رؤية قاصرة تتجاوز حاكمية مهمة في العقيدة الإسلامية، وهي وجود الله عز وجل، وتنطلق فقط من الإنسان كحاكمية أساسية لرؤيتها.

ويقول في ذلك، إننا "حين نعود إلى مقومات وجودنا الحقيقية، وهي المقومات الإسلامية، فستكون نظرتنا إلى الإنسان مختلفة من جذورها، ومن ثم تصل أبحاثنا العلمية إلى نتائج نهائية مختلفة تماماً عما تصل إليه (العلوم الإنسانية) في مفهوم الغرب".

أمراض الحركة الإسلامية وتوصيفه لها:

ومن بين أهم مجالات الواقع التي تصدى إليها محمد قطب، واقع الحركة الإسلامية نفسه؛ حيث انتقد الكثير من السلبيات التي رآها في أداء الحركات الإسلامية المختلفة، الجهادية- التي تعتمد العنف أداةً لها- والصحوية- التي تعتمد التغيير الاجتماعي والتربية وسيلةً لها- على حدٍ سواء.

ومن خلال مراجعة سريعة لما كتبه في هذا الإطار، فإنه نبه إلى مخاطر الصدام مع الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم العربي، قبل تمام الاستعداد لذلك، وقال إن انتهاج العنف وسيلةً للتغيير أمر خاطئ.

"كان محمد قطب يرى أن الكثير من مشكلات المسلمين، والمحن التي يعانيها الدعاة في المجتمعات العربية والإسلامية، تعود إلى الدعاة أنفسهم، وأن الواقع الراهن يتطلب دراسة موضوعية متكاملة لأسباب المشكلات الراهنة، ومعالجتها"

ووصل به النقد الذاتي للحركة الإسلامية، إلى اتهام قيادات الجماعة الإسلامية في مصر، والتي تبنت العنف ضد الدولة والمجتمع في الفترة من السبعينيات وحتى التسعينيات، بأنها كانت تفتقد إلى الوعي والخبرة التي تمكنها من إدراك خطر التورط في مواجهة مع النظام السياسي المصري في ذلك الحين.

كما أنه كان على قدرة كبيرة في مجال النقد الذاتي، فقال إن الكثير من مشكلات المسلمين، والمحن التي يعانيها الدعاة في المجتمعات العربية والإسلامية، تعود إلى الدعاة أنفسهم، وأن الواقع الراهن يتطلب دراسة موضوعية متكاملة لأسباب المشكلات الراهنة، ومعالجتها، والتي- أي هذه المعالجة- تبدأ عنده من التمسك بالمنهج الأخلاقي والقيمي السليم الذي جاء به الإسلام.

وفي الأخير؛ فإن محمد قطب بحاجة إلى إعادة اكتشاف وإنتاج الكثير من أفكاره وتصوراته، في ظل التحديات الكبيرة الراهنة التي تواجهها الحركة الإسلامية، والتي التفت هو إليها، ونشأت الحاجة الملحَّة إلى الاخذ برؤاه فيما يخصها، في ظل تطور الصراع القيمي الحالي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ما بين الأنظمة الحاكمة والقوى الإصلاحية، إلى أفاق معركة مصير!

معلومات الموضوع

الوسوم

  • علماء
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    فرنسا من الداخل “مصادرة الآراء واضطهاد أصحاب الفكر المخالف”

    خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …