إلى المخْدُوعينَ بالانْقِلابيِّين: مَنْ أَعَانَ ظَالِماً سَلَّطَهُ الله عَلَيْهِ

الرئيسية » بصائر تربوية » إلى المخْدُوعينَ بالانْقِلابيِّين: مَنْ أَعَانَ ظَالِماً سَلَّطَهُ الله عَلَيْهِ
download

(1)  إِيَّاكَ والقُرْبَ من الظَّلمة

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحْبِهِ ومَنْ والاه، واهتَدَى بهداه..

وبعدُ؛ فإنَّ دراسةَ التاريخِ القديمِ والحديثِ تكشفُ أنَّ من سننِ الله الجاريةِ في المجتمعاتِ: أنَّ أصدقاءَ ورُفَقاءَ وأعوانَ الظلمةِ الذين لا تَقْوَى ولا أمانةَ لهم، والذين تجمعُهم المصالحُ والنفاقُ يُسلِّطُ اللهُ بعضَهم على بعض، حتى قيل: «مَنْ أَعَانَ ظَالِماً سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ»، وهذه حكمةٌ صحيحةٌ، ومصداقُها في القرآن قوله تعالى (وكَذَلِكَ نُوَلِي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، فقد قيل معناه: نُسَلِّط بَعْضَهم على بَعْضٍ، فَيَأخذُ من الظَّالمِ بالظَّالمِ، وقال مالكُ بن دِينار: قرأتُ في الزَّبُور: «إنِّي أنتقِمُ منَ المنافِقِ بالمنافِقِ، ثم أنتقِمُ من المنافِقين جميعًا» قال: ونظير ذلك في كتاب الله هذه الآية. وقال فُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: «إذَا رأيتَ ظالِمًا ينتقِمُ من ظالمٍ فقِفْ، وانظُرْ فيه مُتَعَجِّبا!». وقال المأمونُ الخليفةُ العباسِيُّ لبعضِ وُلَاته: «لَا تَظْلِمْ لِي فَيُسَلِّطَنِي اللهُ عَلَيْكَ».

وَمَا مِنْ يَدٍ إِلَّا يَدُ اللهِ فَوْقَهَا               ولَا ظَالِمٍ إِلَّا سَيُبْلَى بِأَظْلَمِ

التَّحذِيرُ من التقرُّبِ منَ الظَّلَمة:

لهذا حذَّرت الشريعةُ من القُرْبِ من أهلِ السلطةِ الظَّلَمة، ففي الحديث: «مَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بُعْدًا»، وإذا كان هذا في أهلِ السُّلْطةِ عمومًا فهو في الظَّلَمةِ منهم أحْرَى وأوْلَى.

ولَقي أبو جعفر المنصورُ سُفْيانَ الثَّوريَّ في الطوافِ، فقال: ما يَمْنعُك أنْ تَأتِيَنا؟ قال: إنَّ اللهَ نَهَى عَنْكم، فقال تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إلى الّذِين ظَلَمُوا فَتَمًسّكم النَّار)، فمسحَ أبو جعفر يدَه به، ثم التفتَ إلى أصحابِه، فقال: ألْقَينا الحَبَّ إلى العُلماءِ فَلَقطوا، إلا ما كان من سُفيان فإنه أعْيانَا فِرارًا.

وقدِمَ هِشامُ بنُ عبدِ الملكِ المدينةَ لزيارةِ القَبرِ، فدخلَ عليه أبو حازمٍ الأعرجُ، فقال: ما يمنعُك أبا حازمٍ أنْ تأتِيَنا؟ فقال: «وما أصنعُ بإِتْيانِك يا أميرَ المؤمنين؟ إنْ أدْنَيْتَني فَتَنْتَني، وإن أقْصَيْتَنِي أخزَيْتَني، وليس عِنْدي ما أخافُك عليه، ولا عندَكَ ما أرجوكَ له».

لكنْ، منْ أتاهُم يَعِظُهم وينهاهُم عن الظلمِ فذلك من أعظمِ الجهادِ، كما هو معلوم.

(2)  التحذيرُ من التماسِ رِضَى الظلَمَةِ بسَخَطِ الله

من أعظمِ أبوابِ الفتنةِ بأهلِ السلطة: أنْ يلتمِسَ الْمَفْتُونُ رِضاهم بأيِّ شكلٍ، فيبيعَ دينَه، ويُسْخِطَ ربَّه، في مقابلِ ما يُعْطُونَه منَ الدنيا، ومِثلُ هذا يُعامِلُه اللهُ بنقيضِ قصدِه، فيُسْخِطُ عليه مَنْ يريدُ إرضاءَه بسَخَطِ الله، ففي الحديث الصحيح: «مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»، وفي الحديث أيضا: «مَنْ طَلَبَ مَحَامِدَ النَّاسِ بِمَعَاصِي اللَّهِ عَادَ حَامِدُهُ لَهُ ذَامًّا»، وكذلك: «مَنْ تَحَبَّبَ إلَى النَّاسِ بِمَا يُحِبُّونَ وَبَارَزَ اللَّهَ تَعَالَى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».

وَإن كان مَنْ يريدُ إرضاءَه ذا سلطةِ فيُخْشَى عليه ما هو أشدُّ من ذلك، ففي الحديث: «مَنْ أَرْضَى سُلْطَانًا بِمَا يُسْخِطُ رَبَّهُ عز وجل خَرَجَ مِنْ دِينِ اللَّهِ تبارك وتعالى»، وقال الحسَنِ: «منْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْضِه».

 - التوجيهُ النبويُّ بعدمِ تصديقِ الحُكَّامِ الكَذَبَة:

يكون الأمرُ أعظمَ جُرْمًا إذا كان أصحابُ السلطةِ الذين يُجامِلُهم بالباطلِ من الكَذَبَة الفَجَرة، فقد تبرَّأَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممَّنْ يدخُلُ على هذا النوعِ من الحكام، وقَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ» قَالَ: وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟ قَالَ: «أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي، لاَ يَقْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلاَ يَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ، وَسَيَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي»، وقَالَ أيضا: «سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لاَ يَفْعَلُونَ، ...» فذكره، وقَالَ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ...» فذكره، وقال: «إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءَ يَغْشَاهُمْ غَوَاشٍ مِنَ النَّاسِ ...» فذكر نحوه.

وقَالَ أيضا: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، وفي لفظ آخر قال: «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ نَابَذَهُمْ نَجَا، وَمَنِ اعْتَزَلَهُمْ سَلِمَ، وَمَنْ خَالَطَهُمْ هَلَكَ».

(3)  التَّحذِيرُ منْ إِعَانَةِ الظَّالِمِ

أما تحذيرُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إعانةِ الظلَمَة فكان أشدَّ وأقْوَى، فقالَ: «لَا تَمْكُرْ وَلَا تُعِنْ مَاكِرًا؛ فإِنَّ اللهَ يقُولُ (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، ولَا تَبْغِ ولَا تُعِنْ بَاغِيًا؛ فإِنَّ اللهَ تَعَالى يَقُولُ (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، ولَا تَنْكُثْ ولَا تُعِنْ نَاكِثًا؛ فإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)». وهل الانقلابيُّون على اختلافِ مواقعِهم وأدوارِهم إلَّا ماكرٌ أو مُعِينٌ على المكْر، وبَاغٍ أو مُعِينٌ على البغيِ، وناكِثٌ أو مُعِينٌ عَلى النكثِ؟.

وفي الحديث: «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ، أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ؛ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ»، وفيه: «... وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ لَا يَعْلَمُ أَحَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ»، وفيه: «مَثَل الَّذِي يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ كَمَثَل بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَهُوَ يَنْزِعُ مِنْهَا بِذَنَبِهِ». وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْإِثْمِ وَهَلَكَ، كَالْبَعِيرِ إذَا تَرَدَّى فِي بِئْرٍ مُهْلِكَةٍ، فَصَارَ يَنْزِعُ بِذَنَبِهِ (أي بذيله) وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ.

فإذا كانت إعانتُه الظالمَ لِيُدْحِضَ بباطلِه حقًّا فالمصيبةُ أعظمُ (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)، وقد تبرَّأ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن يفعلُ ذلك، فقالَ: «مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا لِيُدْحِضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الله وَذِمَّةُ رَسُولِهِ».

فإذا أدَّتْ هذه الإعانةُ ولو كانت شَطْرَ كلمةٍ إلى قتلِ مسلمٍ بغيرٍ حقٍّ فقد أوردَ صاحبُها نفسَه مورِدَ اليأْسِ من رحمةِ الله، ففي الحديث: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْل مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَل مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ».

أعْوانُ الظَّلَمَةِ ظَلَمَةٌ مِثْلُهم:

إنَّ من الظلمِ الرضا بالظُّلْمِ والإعانةَ عليه، وأعوانُ الظالمِ ظَلَمَةٌ مثلُه، والواقعُ أنَّ الحاكمَ الظالمَ إنما يتمكَّنُ من ظلمِه بمعاونةِ أعوانِه وأتباعِه، وليس بنفسِه فقط، وأنَّ أحدَ أسبابِ تمادِي الظلَمَةِ في ظلمِهم هو بِطانةُ السوءِ التي تعينهم على ظُلمِهم، قال تعالى عن قوم فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)، وَقَالَ تَعَالَى: (اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) أَيْ أَشْبَاهَهُمْ وَأَتْبَاعَهُمْ.

وقد عاتب اللهُ بني إسرائيلَ فقال (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) فهذا يدُلُّ على أن مظاهرةَ وإعانةَ الظالمِ مُحَرَّمة.

ونهى اللهُ نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المجادلةِ عنِ الخائنين (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا)، وإذا كان اللهُ تعالى عاتب النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية على همِّه بإعَانَةِ طُعْمَةَ بنِ أُبَيْرِق، مع أنَّه لم يَكُن عَالِمًا بظُلْمِهِ، فكيف حَالُ مَنْ يَعْلمُ ظُلْمَ الظَّالِم، ويعينُه عَلَيْه؟.

الرُّكُونُ للظَّالِمينَ مُحَرَّمٌ بكافَّةِ صُورِه وأشكالِه:

قالَ تعالى (وَلَا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أي: لَا تُدَاهِنُوهُمْ، ولَا تُطِيعُوهُمْ، وَلا تَوَدُّوهُمْ، ولَا تَرْضُوا بِأَعْمَالِهِمْ.

وهؤلاءِ الظلمةُ وإن كان ظلمُهم لا يرقَى بهم إلى درجةِ الكفرِ والخروجِ من الإسلامِ، إلا أنَّ السُّنَّةَ قد مضتْ فيهم أن يُهْجَروا، ويُهْجَرَ العملُ عندهم؛ تبْكِيتًا لهم، وحتَّى لا يتقَوَّوْا بالصالحينَ على ظُلمِهم، وباطلهم، ومنكرهم!.

قال الحسَنُ: «خَصْلتانِ من العبدِ إذا صلحَتَا صلحَ ما سواهما: الركونُ إلى الظلمةِ، والطغيانُ في النعمة، قال الله عزَّ وجل: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)، وقال الله عز وجل: (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي).

وحذَّر اللهُ نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الركونِ إلى الظالمين، فقال (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). وإذا كان هذا الخطابُ لأشرفِ مخلوقٍ صلاةُ الله وسلامُه عليه، فكيف بغيره؟.

وعن عطاءٍ أنّ رجلًا قال له: إنَّ أخِي يضربُ بقلمِه ولا يَعْدُو رزقَه، وإنما يَحْسِبُ ما يدخلُ ويخرجُ، وله عيالٌ، ولو ترك ذلك لاحتاج وادَّان؟ (أي اضطر إلى الاستدانة) قال: فمَنْ الرأسُ؟ يعني مَنْ يَكتُبُ له؟ قال: خالدُ بن عبد الله القَسْري. قال: فأينَ قَوْلُ موسى (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ)؟ أي أنَّ موسى تعهَّد ألَّا يُعينَ مُجْرِمًا ولا ظالما.

قال ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «إنّ الرَّجُلَ لَيَدْخُلُ عَلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ دِينُهُ، وَيَخْرُجُ وَلَا دِينَ لَهُ». قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ:  «لِأَنَّهُ يُرْضِيهِ بِسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى».

وقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «الْجَلَاوِزَةُ (أَيْ أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ) وَالشُّرَطُ (أيْ شُرطة الظَّلَمَة) كِلَابُ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «لَا تَمْلَأُوا أَعْيُنَكُمْ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ إلَّا بِإِنْكَارٍ مِنْ قُلُوبِكُمْ؛ لِئَلَّا تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ الصَّالِحَةُ».

وَقَالَ مَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُهُمْ؟ فَمَا يَبْقَى أَحَدٌ حَبَّرَ لَهُمْ دَوَاةً أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَّا حَضَرَ مَعَهُمْ، فَيُجْمَعُونَ فِي تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ فَيُلْقَوْنَ فِي جَهَنَّمَ».

وَجَاءَ خَيَّاطٌ إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: إنِّي أَخِيطُ ثِيَابَ السُّلْطَانِ أَفَتَرَانِي مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ؟ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: «بَلْ أَنْتَ مِنْ الظَّلَمَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ يَبِيعُ مِنْك الْإِبْرَةَ وَالْخُيُوطَ».

قال ابنُ الجَوْزي في إحدَى خواطرِه: «طرقَتْني حالةٌ أوْجَبَتْ التشبُّثَ ببعضِ الأسبابِ، إلَّا أنه كان من ضرورةِ ذلك لقاءُ بعضِ الظلَمةِ، ومُداراتُه بكلمة، فبينما أنا أُفَكِّرُ في تلكَ الحالِ دخلَ عليَّ قارئٌ فاستفتَح، فتفاءَلْتُ بما يقرأُ، فقرأ: (وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُم النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُون)، فبُهِتُّ منْ إجابتي على خاطرِي، وقلتُ لنفسِي: اسمعِي؛ فإنَّني طلبتُ النصرَ في هذه المداراةِ، فأعلَمَنِي القرآنُ أنني إذا ركنْتُ إلى ظالمٍ فاتني ما ركنْتُ لأجلِه من النصر».

(4)  التحذيرُ من التقاعُسِ عن نُصْرةِ المظلوم

لم يكتفِ الإسلامُ بالتحذيرِ من الركونِ إلى الظلَمةِ، وتحريمِ إعانتِهم، بل أوجبَ نُصرةَ المظلومِ وحذَّر من يتقاعَسُ عن ذلك مع قدرتِه عليه، بأيِّ شكلٍ من أشكالِ النُّصْرَة، ففي الحديث: «أُمِرَ بِعَبْدٍ من عِبَادِ اللهِ أَنْ يُضْرَبَ في قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فلم يَزَلْ يَسْأَلُ وَيَدْعُو، حتى صَارَتْ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فَجُلِدَ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فامتلأ قَبْرُهُ عليه نَارًا، فلما ارْتَفَعَ عنه قال: عَلاَمَ جَلَدْتُمُونِي؟ قالوا: إنَّك صَلَّيْت صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَمَرَرْتَ على مَظْلُومٍ فلم تَنْصُرْه».

وفي الحديث أيضا: «لاَ تَقِفَنَّ عِنْدَ رَجُلٍ يَقْتُلُ مَظْلُومًا؛ فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ، وَلاَ تَقِفَنَّ عِنْدَ رَجُلٍ يَضْرِبُ مَظْلُومًا، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ».

قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْت فِي الْمَنَامِ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ يَخْدُمُ الظَّلَمَةَ وَالْمَكَّاسِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي حَالَةٍ قَبِيحَةٍ، فَقُلْت لَهُ: مَا حَالُك؟ فَقَالَ: شَرُّ حَالٍ، فَقُلْت لَهُ: إلَى أَيْنَ صِرْت؟ فَقَالَ: إلَى عَذَابِ اللَّهِ، قُلْت: فَمَا حَالُ الظَّلَمَةِ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: شَرُّ حَالٍ، أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).

(5)  مِنْ قصصِ الذينَ انقلبَ عليهم الظلَمَةُ بعد أنْ أعانُوهم في ظلمِهم

التاريخُ عامِرٌ بأخبارِ قومٍ أعانُوا الظَّلَمةَ، فمنهم مَنْ عُوجِل، ومنهم مَنْ أُمْهِل، غير أنَّ عاقبةَ ظُلمِه أصابتْ أولادَه وأحفادَه وأهلَ بيتِه، ودراسةُ تاريخ الظلمةِ تكشِفُ أنهم يُصَفِّي بعضُهم بعضًا.

وقد كان الحجاجُ بنُ يوسفَ الثَّقَفيُّ من أكبرِ أعوانِ الأُمَويِّين، ولم يُعَاجَلْ، بل لما استُخْلِف سليمانُ بنُ عبد الملك، أمرَ بجميعِ الرجالِ من آلِ أبي عَقِيل، عائلةِ الحجَّاج، فاعتُقِلُوا بواسطٍ، وعُذِّبُوا، حتى ماتوا جميعًا.

 - ومن الأمثلةِ التاريخية في ذلك:

-  حين أقام عُبَيْدُ اللهِ المهديُّ الدولةَ العُبَيْدِيَّةُ الشيعيَّةُ (الفاطمية) تخلَّص من كلِّ أتباعِه الذين أعانوه على حربِ أهلِ السُّنَّة، بل تخلَّص من أكبرِ مَنْ وَطَّدُوا مُلْكَه، وهو أبو عبد الله الشيعيُّ وأخوه أبو العباس وأنصارُهم، بعد أن اقتربُوا منه وبدأوا يكتشِفُون كذبَه في دعْوَى أنه المهدي المنتَظَر.

- كان ابنُ العلْقَميِّ الشيعيُّ وزيرَ المستعصم بالله آخرِ خلفاءِ الدولةِ العباسية، فخَدَعَ الخليفةَ، واتصلَ من وراء ظهره بهولاكو زعيمِ التتار، وأعانَهم على دخولِ بغدادَ، وتعاهَدَ معهم أن يُوقِعَ بالخليفة وبأعيانِ الأمة، على أن يتخلَّصُوا من أهل السنة، ويُبْقُوا على الشيعةِ، ويجعلوه وزيرًا في دولتِهم، فلما تمَّ لهم مُرادُهم قتلوا مئاتِ الآلافِ من السنةِ والشيعة، وأخلفُوه ما وعدُوه، وأذاقوه الهوانَ، فمات كمدًا وحسرةً بعد شهور يسيرة.

-  ابن الزَّيْن الحافظي أحدُ الذين أعانوا التتار ومالأُوهم ودلُّوهم على عوراتِ المسلمين في الشام، وصار إلى التتار وكافأوه فجعلوه أميرًا فترةً من الزمن، ثم سلَّطهم اللهُ عليه، وجاء به هولاكو، فذكَّره بخياناته لأمراء المسلمين، ثم عدَّد عليه شيئًا كثيرًا من ألوانِ فسادِه الماديِّ من الرشاوى وغيرها، ثم قَتَله، وقَتَل معه جميعَ أولادِه وأهلِ بيتِه وأقاربِه.

-  كان طاهرُ بنُ الحسين أحدَ أهمِّ القادةِ الذين نصروا المأمونَ ابنَ الرشيدِ على أخيه الأمينِ، وهو الذي قام بقتلِ الأمينِ، ومع أنه فعل ذلك إخلاصًا للمأمونِ، فإنَّ الأخيرَ لم ينْسَ له أنَّ ذُلَّ أخيه وقتْلَه كان على يدِه، ولم يزلْ يُدَبِّر له حتى دسَّ له خادمًا سقاه السُّمَّ بعد أن ولَّاه خُراسان.

-  صادق قطب زادة تولى مناصبَ متعددةً للخُمَيني، ثم أعدمَه الخميني، ولم يَرْعَ فيه السنواتِ العشرينَ التي أفناها في خدمتِه.

والأمثلةُ أكثرُ من أن تُحصَر، وها هو الانقلابُ الدمويُّ الغادِرُ يأكلُ أبناءَه وأعوانَه، واحدًا بعد الآخر، والحبْلُ على الكَرَّار، وستكشفُ الأيامُ القادمةُ عن الكثير!

فهل بعد كل هذا يُفِيقُ المُغَيَّبون الذينَ يلتمِسُون تحقيقَ أغراضِهم بنفاقِ الانقلابيين ومُداهنَتِهم وإعانَتِهم في ظُلمِهم، ويُوقنوا بأنَّ «مَنْ أَعَانَ ظَالِماً سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ»، فيُصحِّحوا مواقفَهم قبلَ أن يحلَّ عليهم الدورُ في الغدْرِ بهم، فيندموا ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ؟!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

أكثر عشرة أسباب مؤدية للطلاق!

هو أبغض الحلال عند الله، والحل الشائع الذي يلجأ إليه الكثيرون في العصر الحالي لإنهاء …