الإسراء والمعراج .. بشريات النصر وطبيعة القضية

الرئيسية » خواطر تربوية » الإسراء والمعراج .. بشريات النصر وطبيعة القضية
israame3raj

لا تشكل حادثة الإسراء والمعراج للأمة حدثاً تاريخياً فحسب، بحيث يتعامل معها بالقصص والأحاديث والسرد التاريخي بمعزل عن الدروس والعبر المستفادة، بل هي تمثل نقطة هامة في التاريخ الإسلامي، فهي جاءت في ظل أصعب الظروف التي مرت بها الدعوة النبوية في مكة المكرمة، بعد حادثة الطائف، ووفاة أبي طالب وخديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، وأكاد أجزم أن أي محلل سياسي أو خبير عسكري، لو نظر إلى ما واجهته الدعوة الإسلامية آنذاك، لحكم على فنائها، واعتبر ذلك مسألة وقت لا أكثر.

فالدعوة الإسلامية لم تشهد مرحلة أكثر صعوبة من تلك المرحلة، اضطهاد وقتل، وتعذيب وسجن، وتضييق على المؤمنين للتهجير أو الاستسلام، في ظل تجاهل المحيط القبلي لنصرة أولئك المظلومين الذين لم يقوموا بأي شيء، سوى أنهم أعلنوا شهادة التوحيد أمام الملأ!

المعية الإلهية

"مع شدة البلاء والمحن، لا بد وأن يكون الأمل بنصر الله راسخاً في النفوس، ومعية الله مع أولئك الذين يحملون نهج الأنبياء، الذين يثبتون على مبادئهم، ويعلنوها صراحة أمام الطغاة في جميع الميادين، لا يخافون قتلاً ولا سجناً، يوحدون الله في كلامهم وأفعالهم، ويضحون بكل ما يملكون في سبيل عزة دينهم، ورفعة شأن أمتهم."

أراد الله سبحانه أن يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم وقد ضاقت عليه الأرض، وأوصدت في وجهه الأبواب، أن معيته ونصره لعباده المؤمنين لا يمكن أن تفارقهم، بل هي معهم تسدد خطاهم، وتثبت مواقفهم. لكن هذا لا يتنافى مع قيام عباده المؤمنين بالتضحية، وبذل الغالي والنفيس في سبيل نشر الدعوة وإقناع الناس بمبادئها وقيمها؛ حتى يشعروا بأهمية ما يدعون إليه، وحتى يميّز الله عباده المؤمنين فيكونوا قدوة لغيرهم، ويتميزوا عن غيرهم وينجحوا في الابتلاء الذي قرره الله لهم. مصداق قوله تعالى {الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1-3].

لقد كرّم الله نبيه صلى الله عليه وسلم على صبره وثباته، بأن أراه من آياته العظمى، ورفعه إلى درجة لم يصل إليها ملك قبله ولا نبي، وكرّمه بزيارة بيت المقدس حيث أمّ بالأنبياء ليكون هو خاتم الرسل، وفي نفس الوقت لينال المؤمنون من أتباعه شرف دفاعهم عن خاتم النبيين ونصرته، حتى يمكن لهم في دينهم، وتثبت دعائمه وترسخ في نفوس الناس.

إذن هي رسالة ربانية للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، أن النصر قريب، لكن السعي مطلوب، والثبات واجب، والتضحية أمر لابد منه، والمؤامرات التي تحاك للدعوة وأهلها لا شك أنها زائلة، وهي وإن كانت نجحت بالتضييق على المؤمنين فترة من الوقت، إلا أنها لم تستطع أن تقتلع الإيمان الراسخ فيهم، والهمة العالية لنصرة الدين ونشره.

وحري بالدعاة أن يفهموا هذه الرسالة، فمع شدة البلاء والمحن، لا بد وأن يكون الأمل بنصر الله موجوداً وراسخاً في النفوس، ومعية الله مع أولئك الذين يحملون نهج الأنبياء، الذين يثبتون على مبادئهم، ويعلنوها صراحة أمام الطغاة في جميع الميادين، لا يخافون قتلاً ولا سجناً، يوحدون الله في كلامهم وفي أفعالهم، وفي نفس الوقت يضحون بكل ما يملكون في سبيل عزة دينهم، ورفعة شأن أمتهم.

إن نصر الله لا يتحقق في أيامنا بريح مهلكة تهلك الظالمين ولا الأعداء، ولا بنزول الملائكة لتقاتل دون المؤمنين، وإنما يأتي بالثبات والصمود، والتوكل على الله، والصبر على المحن والابتلاءات، فمن هذه الأمور تنبع معالم النصر، وتتكسر كافة القيود، بإرادة الله القوي العزيز.

قال الله تعالى : {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110]

الاهتمام بالتربية

ورغم ما كان يواجهه المجتمع المسلم من تحديات، ومن ظروف عصيبة، إلا أن الرحلة إلى السماوات العلا، كانت مليئة بالدروس والعبر التربوية، التي توجه سلوك الجيل المؤمن الفريد إلى ما يريده الله منهم، ليكونوا أهلاً للنصرة الإلهية، فحجم الابتلاءات والمحن لا تعني بأي حال نسيان الصبغة التربوية التي تغير كيان الإنسان الداخلي ليكون ربانياً بحق، ولم تحول الظروف التي تعرضت لها الدعوة آنذاك من التوجيهات النبوية حول عواقب الكثير من المحرمات والكبائر يوم القيامة.

وهذا درس للمربين خصوصاً في وقت المحن والشدة، أن لا يغفلوا الخطاب التربوي للأفراد، فبقدر الشدة التي تواجههم لابد أن يصاحبها خطاب إيماني تربوي قوي، يثبت الناس على الإيمان، ويجنبهم الوقوع في الأخطاء والمحرمات؛ حتى لا يحرموا من نصر الله ومعيته.

"صلاة النبي بالأنبياء في القدس، فيها رسالة ربانية للنبي ولمن معه من المؤمنين، أن دربهم هو ذات درب الأنبياء من قبلهم، وأن عدوهم واحد، وإن اختلفت الأسماء والأوصاف، وأن القدس أمانة ثقيلة يتحملها المؤمنون حتى قيام الساعة"

العهد المقدسي

ليس ذكر القدس في هذه الحادثة العظيمة بمنأى عن الفهم والاعتبار، ففي القدس التقى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعهم، ليتسلم منهم الأمانة التي حملوها، ثم يسلمها لأتباعه من بعده.

ورغم أن الدعوة الإسلامية آنذاك لم تخرج عن إطار المحنة التي تعرضت له في مكة، إلا أن الله عز وجل أراد أن يكون اهتمام المسلمين أعم وأكبر، فالقدس هي مدينة الأنبياء، ومدار الصراع بين الحق والباطل، وفيها أرض المحشر والمنشر، وفي الوقت نفسه، هي رسالة ربانية للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين، أن دربهم هو ذات درب الأنبياء من قبلهم، وأن عدوهم واحد، وإن اختلفت الأسماء والأوصاف، وأن القدس أمانة ثقيلة يتحملها المؤمنون حتى قيام الساعة.

وهنا لا يقبل أن تنشغل الدعوة رغم كل الظروف التي تمر بها في بعض البلدان، عن قضية القدس، والحفاظ عليها وتحريرها من براثن الاحتلال، فالسعي لتحرير القدس واجب، وتطهيرها من عدوها وإعادتها لأمتها يتعدى الفرض الكفائي إلى فرض العين الذي سيسأل عنه كل إنسان، ماذا فعل وقدم لتحقيقه في حياته.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • القدس
  • النصر
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

    شاهد أيضاً

    كيف نحقق التوكل الصادق؟

    لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …